فهرس الكتاب

الصفحة 299 من 346

{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ(36)}

فإن قيل: فما الفرق بين قوله عز وجل: (فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ) وبين قوله: (وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ) حتى ثبتت التاء في إحداهما، وحذفت في الأخرى؟

قلنا: لو كان هذا السؤال في غير القرآن ما احتاج إلى جواب، لأن الإثبات والحذف جائزان، فللمتكلم أن يفعل من ذلك ما شاء، ولكن كلام (الحكيم) الخبير ليس كغيره من الكلام، لإعجازه في الأسلوب والانتظام. والفرق بين الموضعين المتقدمين لائح من وجهين:

أحدهما لفظي والآخر معنوي.

أما اللفظي فهو أن الحروف الحواجز بين الفعل والفاعل في قوله:

(حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ) أكثر منها في قوله: (حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ) .

وقد تقدم أن الحواجز بين الفعل والفاعل) كلما كثرت كان حدف"التاء"أحسن -

وأما الفرق من جهة المعنى فإن (مَنْ) في سورة النحل واقعة على الأمة، وهي مؤنثة لفظاً، ألا تراه يقول سبحانه: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا)

ثم قال تعالى: (وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ) .

أي: من الأمم أمم ضلت أو حقت عليها الضلالة ولو قال بدل ذلك: ضلت، لتعينت التاء، ومعنى الكلامين واحد، وإذا كان معنى الكلامين واحداً كان إثبات التاء أحسن من تركها، لأنها ثابتة فيما هو في معنى الكلام.

وليس كذلك قوله تعالى: (وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ) ، لأن معناه: وفريقاً ضلوا، بغير تاء في اللفظ، فليحسن حذفها إذاً فيما هو في معناه، فكثيراً ما تفعل العرب ذلك، تدع حكم اللفظ الواجب له في القياس، إذا كان في معنى الكلمة ما ليس له ذلك الحكم، ألا تراهم يقولون:

"هو أحسن الفتيان وأجمله في معنى: هو أحسن فتى وأجمله، ونظائره كثيرة. فإذا حسن الحمل على المعنى فيما كان القياس أن لا يجوز، فما ظنك به حيث يجوزه القياس والاستعمال."

وأحسن من هذه العبارة أن تقول: إنهم أرادوا"أحسن شيء وأجمله"، بجعل"شيء"مكان"فتى"في اللفظ، لأن في الصحيح قوله عليه السلام:

"خير نساء ركبن الإبل صالح نساء قريش، أحناه على ولد في صغره، وأرعاه (على زوج) في ذات يده".

فلو كان التقدير هناك:"أحسن فتى"حين ذكر الفتيان، لقلنا هنا:

"أحناها على ولد"إذا ذكر النسوان.

ولكن التقدير كما قدرناه لا كما قدروه، والله المستعان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت