قَالَ الْحَسَنُ لَيْسَ الْفِرَارُ مِنْ الزّحْفِ مِنْ الْكَبَائِرِ إلّا يَوْمَ بَدْرٍ وَفِي الْمَلْحَمَةِ الْكُبْرَى الّتِي تَأْتِي آخِرَ الزّمَانِ وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ مِنْ الْكَبَائِرِ إذَا حَضَرَ الْإِمَامُ وَلَمْ يَتَحَيّزْ إلَى فِئَةٍ فَأَمّا إذَا كَانَ الْفِرَارُ إلَى الْإِمَامِ فَهُوَ مُتَحَيّزٌ إلَى فِئَةٍ وَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ حِينَ بَلَغَهُ قَتْلُ أَبِي عُبَيْدِ بْنِ مَسْعُودٍ وَمَا أَوْقَعَ الْفُرْسُ بِالْمُسْلِمِينَ: هَلّا تَحَيّزَ إلَيّ أَبُو عُبَيْدِ بْنُ مَسْعُودٍ فَإِنّي فِئَةٌ لِكُلّ مُسْلِمٍ وَرُوِيَ مِثْلُ هَذَا عَنْ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنّهُ قَالَ لِأَصْحَابِهِ الّذِينَ رَجَعُوا مِنْ غَزْوَةِ مُؤْتَةَ، ذَلِكَ أَنّهُمْ قَالُوا: نَحْنُ الْفَرّارُونَ يَا رَسُولَ اللهِ فَقَالَ"بَلْ أَنْتُمْ الْعَكّارُونَ وَأَنَا فِئَتُكُمْ"وَهُوَ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ اخْتَصَرْته، وَالْقَدْرُ الّذِي يَحْرُمُ مَعَهُ الْفِرَارُ الْوَاحِدُ مَعَ الْوَاحِدِ وَالْوَاحِدُ مَعَ الِاثْنَيْنِ فَإِذَا كَانَ الْوَاحِدُ لِلثّلَاثَةِ لَمْ يُعَبْ عَلَى الْفَارّ فِرَارُهُ كَانَ مُتَحَيّزًا إلَى فِئَةٍ أَوْ لَمْ يَكُنْ. وَذَكَرَ أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ رُشْدٍ فِي مُقَدّمَاتِهِ عَنْ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ قَالَ إذَا كَانَ الْمُسْلِمُونَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا لَمْ يَجُزْ لَهُمْ الْفِرَارُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَمْثَالِهِمْ وَلَا مِنْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السّلَامُ"لَنْ تُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلّةٍ"وَقَدْ كَانَ وُقُوفُ الْوَاحِدِ إلَى الْعَشَرَةِ حَتْمًا فِي أَوّلِ الْأَمْرِ ثُمّ خَفّفَ اللهُ وَنَسَخَهُ بِقَوْلِهِ {الْآنَ خَفّفَ اللهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنّ فِيكُمْ ضَعْفاً} [الْأَنْفَال: 66] الْآيَةَ كَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْعُلَمَاءِ وَلَكِنْ لَا يَتَبَيّنُ فِيهِ النّسْخُ لِأَنّ قَوْلَهُ {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ} [الْأَنْفَال: 65] إلَى آخِرِ الْآيَةِ خَبَرٌ وَالْخَبَرُ لَا يَدْخُلُهُ النّسْخُ وَقَوْلُهُ {الْآنَ خَفّفَ اللهُ عَنْكُمْ} يَدُلّ عَلَى أَنّ ثَمّ حُكْمًا مَنْسُوخًا، وَهُوَ الثّبُوتُ لِلْعَشَرَةِ فَإِذًا الْآيَةُ ظَهْرٌ وَبَطْنٌ فَظَاهِرُهَا خَبَرٌ وَوَعْدٌ مِنْ اللهِ تَعَالَى أَنْ تَغْلِبَ الْعَشَرَةُ الْمِائَةَ وَبَاطِنُهَا وُجُوبُ الثّبُوتِ لِلْمِائَةِ وَيَدُلّ عَلَى هَذَا الْحُكْمِ قَوْلُهُ {حَرّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ} [الْأَنْفَال: 65] فَتَعَلّقَ النّسْخُ بِهَذَا الْحُكْمِ الْبَاطِنِ وَبَقِيَ الْخَبَرُ وَعْدًا حَقّا قَدْ أَبْصَرَهُ الْمُؤْمِنُونَ - عِيَانًا فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ، وَفِي بَقِيّةِ خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ فِي مُحَارَبَةِ الرّومِ وَفَارِسٍ بِالْعِرَاقِ وَالشّامِ، فَفِي تِلْكَ الْمَلَاحِمِ هَزَمَتْ الْمِئُونُ الْآلَافَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ هَزَمَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ مِائَةَ أَلْفٍ حِينَ إقْبَالِهِ مِنْ الْعِرَاقِ إلَى الشّامِ وَلَمْ يَبْلُغْ عَسْكَرُهُ خَمْسَةَ آلَافٍ بَلْ قَدْ رَأَيْت فِي بَعْضِ فُتُوحِ الشّامِ أَنّهُ كَانَ يَوْمَئِذٍ فِي أَلْفِ فَارِسٍ، وَكَانَ قَدْ أَقْبَلَ مِنْ الْعِرَاقِ مَدَدًا لِلْمُسْلِمِينَ الّذِينَ بِالشّامِ وَكَانَ الرّومُ فِي أَرْبَعِمِائَةِ أَلْفٍ فَلَقِيَ مِنْهُمْ خَالِدٌ مِائَةَ أَلْفٍ فَفَضّ جَمْعَهُمْ وَهَزَمَهُمْ وَقَدْ هَزَمَ أَهْلُ الْقَادِسِيّةِ جُيُوشَ رُسْتُمَ وَقَتَلُوهُ وَكَانَ رُسْتُمُ فِي أَكْثَرَ مِنْ مِائَتَيْ أَلْفٍ وَلَمْ يَكُنْ الْمُسْلِمُونَ فِي عُشْرِ ذَلِكَ الْعَدَدِ وَجَاءُوا مَعَهُمْ بِالْفِيَلَةِ أَمْثَالَ الْحُصُونِ عَلَيْهَا الرّجَالُ فَفَرّتْ الْفِيَلَةُ وَأَطَاحَتْ مَا عَلَيْهَا، وَلَمْ يَرُدّهَا شَيْءٌ دُونَ الْبَلَدِ الّذِي خَرَجَتْ مِنْهُ وَكَذَلِكَ مَا ظَهَرَ مِنْ فَتْحِ اللهِ وَنَصْرِهِ عَلَى يَدَيْ مُوسَى بْنِ نُصَيْرٍ بِإِفْرِيقِيّةَ وَالْأَنْدَلُسِ فَقَدْ كَانَ فِي ذَلِكَ أَعْجَبُ الْعَجَبِ فَكَانَ وَعْدُ اللهِ مَفْعُولًا وَنَصْرُهُ الْمُسْلِمِينَ نَاجِزًا، وَالْحَمْدُ لِلّهِ.
وَقَالَ النّقّاشُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} [الْأَنْفَال: 65] مَعْنَاهُ إنْ يَصْبِرُوا يَغْلِبُوا، وَغَلَبَتُهُمْ لَيْسَ بِأَنْ يُسْلِمُوا كُلّهُمْ وَلَكِنْ مَنْ سَلِمَ مِنْهُمْ رَأَى غَلَبَةَ أَهْلِ دِينِهِ وَظُهُورَهُمْ عَلَى الْكُفْرِ وَلَا يَقْدَحُ فِي وَعْدِ اللهِ أَنْ يَسْتَشْهِدَ جُمْلَةٌ مِنْ الصّابِرِينَ وَإِنّمَا هَذَا كَقَوْلِهِ {قَاتِلُوا الّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ} إلَى قَوْلِهِ {حَتّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} فَقَدْ نُجِزَ الْمَوْعُودُ وَغَلَبُوا كَمَا وُعِدُوا.
هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ وَالّذِي قَدّمْنَاهُ أَبْيَنُ.