فهرس الكتاب

الصفحة 255 من 346

{لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ}[الْأَنْفَال: 68]

(حَوْلَ غَنَائِمِ بَدْر)

فَصْلٌ وَذَكَرَ فِي السّورَةِ {لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ} [الْأَنْفَال: 68] يَعْنِي بِإِحْلَالِ الْغَنَائِمِ لِمُحَمّدِ وَأُمّتِهِ لَمَسّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ فَقَالَ النّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -"لَقَدْ عُرِضَ عَلَيّ عَذَابُكُمْ أَدْنَى مِنْ هَذِهِ الشّجَرَةِ وَقَالَ لَوْ نَزَلَ عَذَابٌ مَا نَجَا مِنْهُ إلّا عُمَرُ"لِأَنّ عُمَرَ كَانَ قَدْ أَشَارَ عَلَيْهِ بِقَتْلِ الْأُسَارَى وَالْإِثْخَانِ فِي الْقَتْلِ وَأَشَارَ أَبُو بَكْرٍ بِالْإِبْقَاءِ فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ ثُمّ نَزَلَتْ الْآيَةُ {فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً} [الْأَنْفَال: 69] وَرَوَى أَبُو عُبَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ"لَمّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ وَأَخَذَ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأُسَارَى، فَقَالَ"مَاذَا تَرَوْنَ"؟ فَقَالَ عُمَرُ يَا رَسُولَ اللهِ كَذّبُوك وَأَخْرَجُوك، اضْرِبْ أَعْنَاقَهُمْ وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَنْتَ بِوَادٍ كَثِيرِ الْحَطَبِ فَأَضْرِمْهُ نَارًا، ثُمّ أَلْقِهِمْ فِيهَا، فَقَالَ الْعَبّاسُ قَطَعَ اللهُ رَحِمَك، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ يَا رَسُولَ اللهِ عِتْرَتُك، وَأَصْلُك وَقَوْمُك تَجَاوَزْ عَنْهُمْ يَسْتَنْقِذْهُمْ اللهُ بِك مِنْ النّارِ ثُمّ دَخَلَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمِنْ قَائِلٍ يَقُولُ الْقَوْلُ مَا قَالَ عُمَرُ وَمِنْ قَائِلٍ يَقُولُ الْقَوْلُ مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ فَخَرَجَ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ"مَا قَوْلُكُمْ فِي هَذَيْنِ الرّجُلَيْنِ إنّ مَثَلَهُمَا كَمَثَلِ إخْوَةٍ لَكُمْ كَانُوا قَبْلَكُمْ قَالَ نُوحٌ {رَبّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ} [نوح: 26] الْآيَةَ وَقَالَ مُوسَى: {رَبّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ} [يُونُس: 88] الْآيَةَ وَقَالَ عِيسَى: {إِنْ تُعَذّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ} [الْمَائِدَة: 118] الْآيَةَ وَقَالَ إبْرَاهِيمُ {فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي} [ابراهيم: 36] الْآيَةَ. وَإِنّ اللهَ يُشَدّدُ قُلُوبَ رِجَالٍ حَتّى تَكُونَ كَالْحَجَرِ وَيُلِينُ قُلُوبَ رِجَالٍ حَتّى تَكُونَ أَلْيَنَ مِنْ اللّبَنِ"وَيُرْوَى مِنْ اللّينِ وَإِنّ بِكُمْ عِيلَةً فَلَا يَفْلِتْ مِنْهُمْ أَحَدٌ إلّا بِفِدَاءِ أَوْ ضَرْبَةِ عُنُقٍ. قَالَ عَبْدُ اللهِ [بْنُ مَسْعُودٍ] : فَقُلْت: إلّا سَهْلَ ابْنَ بَيْضَاءَ وَقَدْ كُنْت سَمِعْته يَذْكُرُ الْإِسْلَامَ قَالَ فَجَعَلْت أَنْظُرُ إلَى السّمَاءِ مَتَى تَقَعُ عَلَيّ الْحِجَارَةُ فَقُلْت: أُقَدّمُ الْقَوْلَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ فَقَالَ النّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -"إلّا سُهَيْلَ ابْنَ بَيْضَاءَ"فَفَرِحْت بِذَلِكَ"، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ أَمّا أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِالْمَغَازِي، فَإِنّهُمْ يَقُولُونَ إنّمَا هُوَ سَهْلُ ابْنُ بَيْضَاءَ أَخُو سُهَيْلٍ فَأَمّا، سُهَيْلٌ فَكَانَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَقَدْ شَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَدْرًا، ثُمّ إنّ النّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَفْدِ بَعْدَهَا بِمَالِ إنّمَا كَانَ يَمُنّ أَوْ يُفَادِي أَسِيرًا بِأَسِيرِ كَذَلِكَ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَذَلِكَ وَاللهُ أَعْلَمُ لِقَوْلِهِ {تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا} [الْأَنْفَال: 67] يَعْنِي الْفِدَاءَ بِالْمَالِ وَإِنْ كَانَ قَدْ أَحَلّ ذَلِكَ وَطَيّبَهُ، وَلَكِنْ مَا فَعَلَهُ الرّسُولُ بَعْدَ ذَلِكَ أَفْضَلُ مِنْ الْمَنّ أَوْ الْمُفَادَاةِ بِالرّجَالِ أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ {فَإِمّا مَنّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} [مُحَمَّد: 4] كَيْفَ قَدّمَ الْمَنّ عَلَى الْفِدَاءِ فَلِذَلِكَ اخْتَارَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدّمَهُ وَأَمّا مَذَاهِبُ الْفُقَهَاءِ فِي هَذَا، فَالْأَوْزَاعِيّ وَسُفْيَانُ وَمَالِكٌ يَكْرَهُونَ أَخْذَ الْمَالِ فِي الْأَسِيرِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَقْوِيَةِ الْعَدُوّ بِالرّجَالِ وَاخْتَلَفُوا فِي الصّغِيرِ إذَا كَانَ مَعَهُ أُمّهُ فَأَجَازَ فِدَاءَهُ بِالْمَالِ أَهْلُ الْعِرَاقِ، وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ مَالِكٍ وَالصّحِيحُ مَنْعُهُ وَكَانَ الْعَبّاسُ عَمّ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأَسْرَى، فَفَدَى نَفْسَهُ وَفَدَى ابْنَيْ أَخِيهِ فَقَالَ لِلنّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَدْ تَرَكْتنِي أَتَكَفّفُ قُرَيْشًا فَقِيرًا مُعْدِمًا، فَقَالَ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"أَيْنَ الذّهَبُ الّتِي تَرَكْتهَا عِنْدَ أُمّ الْفَضْلِ وَعَدَدُهَا كَذَا وَكَذَا، وَقُلْت لَهَا: كَيْت وَكَيْت"، فَقَالَ مَنْ أَعْلَمَك بِهَذَا يَا ابْنَ أَخِي، فَقَالَ"اللهُ"فَقَالَ"حَدِيثٌ مَا اطّلَعَ عَلَيْهِ إلّا عَالِمُ الْأَسْرَارِ أَشْهَدُ أَنّك رَسُولُ اللهِ"فَحِينَئِذٍ أَسْلَمَ الْعَبّاسُ وَكَانَ فِي الْأَسْرَى مَنْ يَكْتُبُ وَلَمْ يَكُنْ فِي الْأَنْصَارِ أَحَدٌ يُحْسِنُ الْكِتَابَةَ فَكَانَ مِنْهُمْ مَنْ لَا مَالَ لَهُ فَيَقْبَلُ مِنْهُ أَنْ يُعَلّمَ عَشَرَةً مِنْ الْغِلْمَانِ الْكِتَابَةَ وَيُخَلّيَ سَبِيلَهُ فَيَوْمَئِذٍ تَعَلّمَ الْكِتَابَةَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ غِلْمَةِ الْأَنْصَارِ، وَهَذِهِ عُيُونُ أَخْبَارٍ وَصَلْتهَا بِمَا ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحَاقَ فِي يَوْمِ بَدْرٍ جَمَعْتهَا مِنْ كُتُبِ التّفَاسِيرِ وَالسّيَرِ وَلَخّصْتهَا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت