ومن فوائد هذه الآية أن يسأل عن قوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ) :"لم قدم الشهر الحرام؟، ولم يقل: يسألونك عن قتال الشهر الحرام، وهم لم يسألوا عن الشهر إلا من أجل القتال فيه، فكان الاهتمام بالقتال والتقديم له أولى في الظاهر؟"
والجواب أن يقال: هذا السؤال لم يقع إلا بعد وقوع القتال في الشهر، وتشنيع الكفرة عليهم انتهاك حرمة الشهر، فاغتمامهم واهتمامهم بالسؤال إنما وقع من أجل حرمة الشهر، فلذلك قدم في الذكر.
وفيها سؤال آخر، وهو أنه أعاد ذكر القتال بلفظ الظاهر، وكان القياس أن يعيد بلفظ المضمر فيقول:"قل: هو كبير"، كما لو سأل إنسان عن رجل في الدار لقال: هو فلان، أو: هو طويل أو قصير، بلفظ المضمر، ويقبح أن يقول بلفظ الظاهر، لأن المضمر - إذا عرف المعنى - أوجز وأولى.
والجواب أن يقال: في إعادة لفظ الظاهر هنا فائدة، وهي عموم الحكم، ولو جاء بلفظ المضمر فيقول:"هو كبير"، لاختص الحكم بذلك القتال الواقع في القصة، وليس الأمر كذلك، وإنما هو عام في كل قتال وقع في شهر حرام.
ونظير هذه المسألة قوله - صلى الله عليه وسلم - وقد قيل له: أنتوضأ بماء البحر؟ فقال:"هو الطهور ماؤه".
ولم يقل: نعم، توضؤوا منه، لئلا يتوهم أن الحكم مخصوص بالسائل، فلما أخبر عنه أنه الطهور ماؤه استمر الحكم فيه على العموم ولم يتوهم قصره على السبب.
وكذلك هذا حين قال: (قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ) ، فجعل الاسم المخبر عنه (قِتَالٌ) .
وخصصه بالمجرور الذي هو ضمير الشهر، فتعلق الحكم به على العموم متى وقع، لأن اللفظ المضمر لا تقتضي صيغته إلا تخصيص الخبر بما يعود عليه.