فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 346

{وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ}[الْبَقَرَة: 74]

(فَضْلُ أُحُدٍ)

وَ (أُحُدٌ) الْجَبَلُ الْمَعْرُوفُ بِالْمَدِينَةِ، سُمّيَ بِهَذَا الِاسْمِ لِتَوَحّدِهِ وَانْقِطَاعِهِ عَنْ جِبَالٍ أُخَرَ هُنَالِكَ وَقَالَ فِيهِ الرّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -"أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبّنَا وَنُحِبّهُ"وَلِلْعُلَمَاءِ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ أَقْوَالٌ.

قِيلَ أَرَادَ أَهْلَهُ وَهُمْ الْأَنْصَارُ، وَقِيلَ أَرَادَ أَنّهُ كَانَ يُبَشّرُهُ إذَا رَآهُ عِنْدَ الْقُدُومِ مِنْ أَسْفَارِهِ بِالْقُرْبِ مِنْ أَهْلِهِ وَلِقَائِهِمْ وَذَلِكَ فِعْلُ الْمُحِبّ وَقِيلَ بَلْ حُبّهُ حَقِيقَةً وُضِعَ الْحُبّ فِيهِ كَمَا وُضِعَ التّسْبِيحُ فِي الْجِبَالِ الْمُسَبّحَةِ مَعَ دَاوُد، وَكَمَا وُضِعَتْ الْخَشْيَةُ فِي الْحِجَارَةِ الّتِي قَالَ الله فِيهَا: {إِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} [الْبَقَرَة: 74] وَفِي الْآثَارِ الْمُسْنَدَةِ أَنّ أُحُدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ بَابِ الْجَنّةِ مِنْ دَاخِلِهَا، وَفِي بَعْضِهَا أَنّهُ رُكْنٌ لِبَابِ الْجَنّةِ ذَكَرَهُ ابْنُ سَلّامٍ فِي تَفْسِيرِهِ وَفِي الْمُسْنَدِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَبْسِ بْنِ جَبْرٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ"أُحُدٌ يُحِبّنَا وَنُحِبّهُ وَهُوَ عَلَى بَابِ الْجَنّةِ"قَالَ"وَعَيْرٌ يَبْغُضُنَا وَنَبْغُضُهُ وَهُوَ عَلَى بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ النّارِ"وَيُقَوّيهِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبّ"مَعَ قَوْلِهِ"يُحِبّنَا وَنُحِبّهُ"

فَتَنَاسَبَتْ هَذِهِ الْآثَارُ وَشَدّ بَعْضُهَا بَعْضًا.

مُشَاكَلَةُ اسْمِ الْجَبَلِ لِأَغْرَاضِ التّوْحِيدِ وَقَدْ كَانَ عَلَيْهِ السّلَامُ يُحِبّ الِاسْمَ الْحَسَنَ وَلَا أَحْسَنَ مِنْ اسْمٍ مُشْتَقّ مِنْ الْأَحَدِيّةِ وَقَدْ سَمّى اللهُ هَذَا الْجَبَلَ بِهَذَا الِاسْمِ تَقْدِمَةً لِمَا أَرَادَهُ سُبْحَانَهُ مِنْ مُشَاكَلَةِ اسْمِهِ وَمَعْنَاهُ إذْ أَهْلُهُ وَهُمْ الْأَنْصَارُ نَصَرُوا التّوْحِيدَ وَالْمَبْعُوثَ بِدِينِ التّوْحِيدِ عِنْدَهُ اسْتَقَرّ حَيّا وَمَيّتًا، وَكَانَ مِنْ عَادَتِهِ عَلَيْهِ السّلَامُ أَنْ يَسْتَعْمِلَ الْوِتْرَ وَيُحِبّهُ فِي شَأْنِهِ كُلّهِ اسْتِشْعَارًا لِلْأَحَدِيّةِ فَقَدْ وَافَقَ اسْمُ هَذَا الْجَبَلِ لِأَغْرَاضِهِ عَلَيْهِ السّلَامُ وَمَقَاصِدِهِ فِي الْأَسْمَاءِ فَقَدْ بَدّلَ كَثِيرًا مِنْ الْأَسْمَاءِ اسْتِقْبَاحًا لَهَا مِنْ أَسْمَاءِ الْبِقَاعِ وَأَسْمَاءِ النّاسِ وَذَلِكَ لَا يُخْصَى كَثْرَةً فَاسْمُ هَذَا الْجَبَلِ مِنْ أَوْفَقِ الْأَسْمَاءِ لَهُ وَمَعَ أَنّهُ مُشْتَقّ مِنْ الْأَحَدِيّةِ فَحَرَكَاتُ حُرُوفِهِ الرّفْعُ وَذَلِكَ يُشْعِرُ بِارْتِفَاعِ دِينِ الْأَحَدِ وَعُلُوّهِ فَتَعَلّقَ الْحُبّ مِنْ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ اسْمًا وَمُسَمّى، فَخَصّ مِنْ بَيْنِ الْجِبَالِ بِأَنْ يَكُونَ مَعَهُ فِي الْجَنّةِ {وَبُسّتِ الْجِبَالُ بَسّا فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا} [الْوَاقِعَة: 6] وَفِي أُحُدٍ قَبْرُ هَارُونَ أَخِي مُوسَى عَلَيْهِمَا السّلَامُ وَفِيهِ قُبِضَ وَثَمّ وَارَاهُ مُوسَى عَلَيْهِ السّلَامُ وَكَانَا قَدْ مَرّا بِأُحُدِ حَاجّينِ أَوْ مُعْتَمِرِينَ رُوِيَ هَذَا الْمَعْنَى فِي حَدِيثٍ أَسْنَدَهُ الزّبَيْرُ عَنْ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي كِتَابِ فَضَائِلِ الْمَدِينَةِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت