(الْحِكْمَةُ مِنْ مُسَاوَمَةِ النّبِيّ لِجَابِرِ)
فَصْلٌ
وَمِنْ لَطِيفِ الْعِلْمِ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ بَعْدَ أَنْ تَعْلَمَ قَطْعًا أَنّ النّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَكُنْ يَفْعَلُ شَيْئًا عَبَثًا بَلْ كَانَتْ أَفْعَالُهُ مَقْرُونَةً بِالْحِكْمَةِ وَمُؤَيّدَةً بِالْعِصْمَةِ فَاشْتِرَاؤُهُ الْجَمَلَ مِنْ جَابِرٍ ثُمّ أَعْطَاهُ الثّمَنَ وَزَادَهُ عَلَيْهِ زِيَادَةً ثُمّ رَدّ الْجَمَلَ عَلَيْهِ وَقَدْ كَانَ
يُمْكِنُ أَنْ يُعْطِيَهُ ذَلِكَ الْعَطَاءَ دُونَ مُسَاوَمَةٍ فِي الْجَمَلِ وَلَا اشْتِرَاءٍ وَلَا شَرْطٍ وَلَا تَوْصِيلٍ فَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ بَدِيعَةٌ جِدّا، فَلْتَنْظُرْ بِعَيْنِ الِاعْتِبَارِ وَذَلِكَ أَنّهُ سَأَلَهُ هَلْ تَزَوّجْت، ثُمّ قَالَ لَهُ هَلّا بِكْرًا، فَذَكَرَ لَهُ مَقْتَلَ أَبِيهِ وَمَا خَلّفَ مِنْ الْبَنَاتِ وَقَدْ كَانَ عَلَيْهِ السّلَامُ قَدْ أَخْبَرَ جَابِرًا"بِأَنّ اللهَ قَدْ أَحْيَا أَبَاهُ وَرَدّ عَلَيْهِ رُوحَهُ وَقَالَ مَا تَشْتَهِي فَأَزِيدُك"فَأَكّدَ عَلَيْهِ السّلَامُ هَذَا الْخَبَرَ بِمِثْلِ مَا يُشْبِهُهُ فَاشْتَرَى مِنْهُ الْجَمَلَ وَهُوَ مَطِيّتُهُ كَمَا اشْتَرَى اللهُ تَعَالَى مِنْ أَبِيهِ وَمِنْ الشّهَدَاءِ أَنْفُسَهُمْ بِثَمَنِ هُوَ الْجَنّةُ وَنَفْسُ الْإِنْسَانِ مَطِيّتُهُ كَمَا قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - إنْ نَفْسِي مَطِيّتِي، ثُمّ زَادَهُمْ زِيَادَةً فَقَالَ {لِلّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [يُونُسَ: 26] ثُمّ رَدّ عَلَيْهِمْ أَنْفُسَهُمْ الّتِي اشْتَرَى مِنْهُمْ فَقَالَ {وَلَا تَحْسَبَنّ الّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا} [آلَ عِمْرَانَ: 169] الْآيَةَ
فَأَشَارَ عَلَيْهِ السّلَامُ بِاشْتِرَائِهِ الْجَمَلَ مِنْ جَابِرٍ وَإِعْطَائِهِ الثّمَنَ وَزِيَادَتِهِ عَلَى الثّمَنِ ثُمّ رَدّ الْجَمَلِ الْمُشْتَرَى عَلَيْهِ أَشَارَ بِذَلِكَ كُلّهِ إلَى تَأْكِيدِ الْخَبَرِ الّذِي أَخْبَرَ بِهِ عَنْ فِعْلِ اللهِ تَعَالَى بِأَبِيهِ فَتَشَاكَلَ الْفِعْلُ مَعَ الْخَبَرِ، كَمَا تَرَاهُ وَحَاشَ لِأَفْعَالِهِ أَنْ تَخْلُوَ مِنْ حِكْمَةٍ بَلْ هِيَ كُلّهَا نَاظِرَةٌ إلَى الْقُرْآنِ وَمُنْتَزَعَةٌ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.