فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 346

{ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ}[الْبَقَرَة: 17]

فَإِنْ قُلْت: فَقَدْ قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ {ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ} [الْبَقَرَة: 17] و"ذهب بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ"وَيَتَعَالَى - سُبْحَانَهُ - عَنْ أَنْ يُوصف بالذهاب أو يضاف إلَيْهِ طَرَفٌ مِنْهُ وَإِنّمَا مَعْنَاهُ أَذَهَبَ نُورَهُمْ وَسَمْعَهُمْ. قُلْنَا: فِي الْجَوَابِ عَنْ هَذَا: أَنّ النّورَ وَالسّمْعَ وَالْبَصَرَ كَانَ بِيَدِهِ سُبْحَانَهُ وَقَدْ قَالَ بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهَذَا مِنْ الْخَيْرِ الّذِي بِيَدِهِ وَإِذَا كَانَ بِيَدِهِ فَجَائِزٌ أَنْ يُقَالَ ذَهَبَ بِهِ عَلَى الْمَعْنَى الّذِي يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ كَائِنًا مَا كَانَ ذَلِكَ الْمَعْنَى، فَعَلَيْهِ يَنْبَنِي ذَلِكَ الْمَعْنَى الْآخَرُ الّذِي فِي قَوْلِهِ: {ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ} مَجَازًا كَانَ أَوْ حَقِيقَةً أَلَا تَرَى أَنّهُ لَمّا ذَكَرَ الرّجْسَ كَيْفَ قَالَ: {لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرّجْسَ} [الْأَحْزَابُ: 33] . وَلَمْ يَقُلْ يُذْهِبُ بِهِ وَكَذَلِكَ قَالَ: {وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشّيْطَانِ} [الْأَنْفَالُ 11] تَعْلِيمًا لِعِبَادِهِ حُسْنَ الْأَدَبِ مَعَهُ حَتّى لَا يُضَافُ إلَى الْقُدّوسِ سُبْحَانَهُ - لَفْظًا وَمَعْنًى شَيْءٌ مِنْ الْأَرْجَاسِ وَإِنْ كَانَتْ خَلْقًا لَهُ وَمِلْكًا فَلَا يُقَالُ هِيَ بِيَدِهِ عَلَى الْخُصُوصِ تَحْسِينًا لِلْعِبَارَةِ وَتَنْزِيهًا لَهُ وَفِي مِثْلِ النّورِ وَالسّمْعِ وَالْبَصَرِ يَحْسُنُ أَنْ يُقَالَ هِيَ بِيَدِهِ فَحَسُنَ عَلَى هَذَا أَنْ يُقَال: ذَهَبَ بِهِ وَأَمّا أَسْرَى بِعَبْدِهِ فَإِنّ دُخُولَ الْبَاءِ فِيهِ لَيْسَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ فَإِنّهُ فِعْلٌ يَتَعَدّى إلَى مَفْعُولٍ وَذَلِكَ الْمَفْعُولُ الْمُسَرّى هُوَ الّذِي سَرَى بِالْعَبْدِ فَشَارَكَهُ بِالسّرَى، كَمَا قَدّمْنَا فِي قَعَدْت بِهِ أَنّهُ يُعْطَى الْمُشَارَكَةُ فِي الْفِعْلِ أَوْ فِي طَرَفٍ مِنْهُ فَتَأَمّلْهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت