فهرس الكتاب

الصفحة 261 من 346

{إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا (40) }

(حَدِيثُ الْغَارِ)

وَهُوَ غَارٌ فِي جَبَلِ ثَوْرٍ، وَهُوَ الْجَبَلُ الّذِي ذَكَرَهُ فِي تَحْرِيمِ الْمَدِينَةِ، وَأَنّهَا حَرَامٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إلَى ثَوْرٍ وَهُوَ وَهْمٌ فِي الْحَدِيثِ لِأَنّ ثَوْرًا مِنْ جِبَالِ مَكّةَ، وَإِنّمَا لَفْظُ الْحَدِيثِ عِنْدَ أَكْثَرِهِمْ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إلَى كَذَا، كَانَ الْمُحَدّثُ قَدْ نَسِيَ اسْمَ الْمَكَانِ فَكَنّى عَنْهُ بِكَذَا.

وَذَكَرَ قَاسِمُ بْنُ ثَابِتٍ فِي الدّلَائِلِ فِيمَا شَرَحَ مِنْ الْحَدِيثِ أَنّ رَسُولَ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمّا دَخَلَهُ وَأَبُو بَكْرٍ مَعَهُ أَنْبَتَ اللهُ عَلَى بَابِهِ الرّاءَةَ قَالَ قَاسِمٌ وَهِيَ شَجَرَةٌ مَعْرُوفَةٌ فَحَجَبَتْ عَنْ الْغَارِ أَعْيُنَ الْكُفّارِ.

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الرّاءَةُ مِنْ أَغْلَاثِ الشّجَرِ وَتَكُونُ مِثْلَ قَامَةِ الْإِنْسَانِ وَلَهَا خِيطَانٌ وَزَهْرٌ أَبْيَضُ تُحْشَى بِهِ الْمَخَادّ، فَيَكُونُ كَالرّيشِ لِخِفّتِهِ وَلِينِهِ لِأَنّهُ كَالْقُطْنِ أَنْشَدَ:

تَرَى وَدَكَ الشّرِيفِ عَلَى لِحَاهُمْ ... كَمِثْلِ الرّاءِ لَبّدَهُ الصّقِيعُ

وَفِي مُسْنَدِ الْبَزّارِ: أَنّ اللهَ تَعَالَى أَمَرَ الْعَنْكَبُوتَ فَنَسَجَتْ عَلَى وَجْهِ الْغَارِ وَأرْسل حَمَامَتَيْنِ وَحْشِيَّتَيْنِ فَوَقَعَتَا عَلَى وَجْهِ الْغَارِ وَأَنّ ذَلِكَ مِمّا صَدّ الْمُشْرِكِينَ عَنْهُ وَأَنّ حَمَامَ الْحَرَمِ مِنْ نَسْلِ تَيْنِك الْحَمَامَتَيْنِ وَرُوِيَ أَنّ أَبَا بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ حِينَ دَخَلَهُ وَتَقَدّمَ إلَى دُخُولِهِ - قَبْلَ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيَقِيَهُ بِنَفْسِهِ رَأَى فِيهِ جُحْرًا فَأَلْقَمَهُ عَقِبَهُ لِئَلّا يَخْرُجَ مِنْهُ مَا يُؤْذِي رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي الصّحِيحِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُمَا فِي الْغَارِ لَوْ أَنّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ إلَى قَدَمِهِ لَرَآنَا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"مَا ظَنّك بِاثْنَيْنِ اللهُ ثَالِثُهُما"وَرُوِيَ أَيْضًا أَنّهُمْ لَمّا عَمِيَ عَلَيْهِمْ الْأَثَرُ جَاءُوا بِالْقَافَةِ فَجَعَلُوا يَقْفُونَ الْأَثَرَ حَتّى انْتَهَوْا إلَى بَابِ الْغَارِ وَقَدْ أَنْبَتَ اللهُ عَلَيْهِ مَا ذَكَرْنَا فِي الْحَدِيثِ قَبْلَ هَذَا، فَعِنْدَمَا رَأَى أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ الْقَافَةَ اشْتَدّ حُزْنُهُ عَلَى رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ إنْ قُتِلْت فَإِنّمَا، أَنَا رَجُلٌ وَاحِدٌ وَإِنْ قُتِلْت أَنْت هَلَكَتْ الْأُمّةُ فَعِنْدَهَا قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لَا تَحْزَنْ إنّ اللهَ مَعَنَا"، أَلَا تَرَى كَيْفَ قَالَ لَا تَحْزَنْ وَلَمْ يَقُلْ لَا تَخَفْ؟

لِأَنّ حُزْنَهُ عَلَى رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَغَلَهُ عَنْ خَوْفِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَلِأَنّهُ أَيْضًا رَأَى مَا نَزَلَ بِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ النّصَبِ وَكَوْنَهُ فِي ضِيقَةِ الْغَارِ مَعَ فُرْقَةِ الْأَهْلِ وَوَحْشَةِ الْغُرْبَةِ وَكَانَ أَرَقّ النّاسِ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَشْفَقَهُمْ عَلَيْهِ فَحَزِنَ لِذَلِكَ وَقَدْ رُوِيَ أَنّهُ قَالَ نَظَرْت إلَى قَدَمَيْ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْغَارِ وَقَدْ تَفَطّرَتَا دَمًا، فَاسْتَبْكَيْت، وَعَلِمْت أَنّهُ عَلَيْهِ السّلَامُ لَمْ يَكُنْ تَعَوّدَ الْحِفَاءَ وَالْجَفْوَةَ وَأَمّا الْخَوْفُ فَقَدْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْ الْيَقِينِ بِوَعْدِ اللهِ بِالنّصْرِ لِنَبِيّهِ. مَا يُسَكّنُ خَوْفَهُ وَقَوْلُ اللهِ تَعَالَى: {فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ} [التَّوْبَة: من الْآيَة 40] قَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ التّفْسِيرِ يُرِيدُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَأَمّا الرّسُولُ فَقَدْ كَانَتْ السّكِينَةُ عَلَيْهِ وَقَوْلُهُ {وَأَيّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا} [التَّوْبَة: 40] الْهَاءُ فِي أَيّدَهُ رَاجِعَةٌ عَلَى النّبِيّ وَالْجُنُودُ الْمَلَائِكَةُ أَنْزَلَهُ عَلَيْهِ فِي الْغَارِ فَبَشّرُوهُ بِالنّصْرِ عَلَى أَعْدَائِهِ فَأَيّدَهُ ذَلِكَ وَقَوّاهُ عَلَى الصّبْرِ [و] قِيلَ أَيّدَهُ بِجُنُودِ لَمْ تَرَوْهَا، يَعْنِي: يَوْمَ بَدْرٍ وَحُنَيْنٍ وَغَيْرِهِمَا مِنْ مَشَاهِدِهِ وَقَدْ قِيلَ الْهَاءُ رَاجِعَةٌ عَلَى النّبِيّ عَلَيْهِ السّلَامُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ جَمِيعًا وَأَبُو بكر تبعله فَدَخَلَ فِي حُكْمِ السّكِينَةِ بِالْمَعْنَى، وَكَانَ فِي مُصْحَفِ حَفْصَةَ {فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِمَا} وَقِيلَ إنّ حُزْنَ أَبِي بَكْرٍ كَانَ عِنْدَمَا رَأَى بَعْضَ الْكُفّارِ يَبُولُ عِنْدَ الْغَارِ فَأَشْفَقَ أَنْ يَكُونُوا قَدْ رَأَوْهُمَا، فَقَالَ لَهُ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لَا تَحْزَنْ فَإِنّهُمْ لَوْ رَأَوْنَا لَمْ يَسْتَقْبِلُونَا بِفُرُوجِهِمْ عِنْدَ الْبَوْلِ وَلَا تَشَاغَلُوا بِشَيْءِ عَنْ أَخْذِنَا"، وَاللهُ أَعْلَمُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت