فهرس الكتاب

الصفحة 280 من 346

وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ تَخْوِيفَهَا بِقَوْلِهِ"حَتّى يَدْخُلَهَا جَدّ أَبِيك"فَتَتَوَهّمُ أَنّهُ الْجَدّ الْكَافِرُ وَمِنْ جُدُودِهِ عَلَيْهِ السّلَامُ إسْمَاعِيلُ وَإِبْرَاهِيمُ لِأَنّ قَوْلَهُ عَلَيْهِ السّلَامُ حَقّ، وَبُلُوغُهَا مَعَهُمْ الْكُدَى لَا يُوجِبُ خُلُودًا فِي النّارِ فَهَذَا مِنْ لَطِيفِ الْكِنَايَةِ فَافْهَمْهُ وَحُكِيَ عَنْ هِشَامِ بْنِ السّائِبِ أَوْ ابْنِهِ أَنّهُ قَالَ لَمّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ جَمَعَ إلَيْهِ وُجُوهَ قُرَيْشٍ، فَأَوْصَاهُمْ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، أَنْتُمْ صَفْوَةُ اللهِ مِنْ خَلْقِهِ وَقَلْبُ الْعَرَبِ، فِيكُمْ السّيّدُ الْمُطَاعُ وَفِيكُمْ الْمُقَدّمُ الشّجَاعُ وَالْوَاسِعُ الْبَاعِ وَاعْلَمُوا أَنّكُمْ لَمْ تَتْرُكُوا لِلْعَرَبِ فِي الْمَآثِرِ نَصِيبًا إلّا أَحْرَزْتُمُوهُ وَلَا شَرَفًا إلّا أَدْرَكْتُمُوهُ فَلَكُمْ بِذَلِكُمْ عَلَى النّاسِ الْفَضِيلَةُ وَلَهُمْ بِهِ إلَيْكُمْ الْوَسِيلَةُ وَالنّاسُ لَكُمْ حِزْبٌ وَعَلَى حَرْبِكُمْ أَلْبٌ وَإِنّي أُوصِيكُمْ بِتَعْظِيمِ هَذِهِ الْبَنِيّةِ فَإِنّ فِيهَا مَرْضَاةً لِلرّبّ وَقِوَامًا لِلْمَعَاشِ وَثَبَاتًا لِلْوَطْأَةِ صِلُوا أَرْحَامَكُمْ وَلَا تَقْطَعُوهَا، فَإِنّ فِي صِلَةِ الرّحِمِ مَنْسَأَةً فِي الْأَجَلِ وَسَعَةً فِي الْعَدَدِ وَاتْرُكُوا الْبَغْيَ وَالْعُقُوقَ فَفِيهِمَا هَلَكَةُ الْقُرُونِ قَبْلَكُمْ أَجِيبُوا الدّاعِيَ وَأَعْطُوا السّائِلَ فَإِنّ فِيهِمَا شَرَفَ الْحَيَاةِ وَالْمَمَاتِ عَلَيْكُمْ بِصِدْقِ الْحَدِيثِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ فَإِنّ فِيهِمَا مَحَبّةً فِي الْخَاصّ وَمَكْرُمَةً فِي الْعَامّ وَإِنّي أُوصِيكُمْ بِمُحَمّدِ خَيْرًا، فَإِنّهُ الْأَمِينُ فِي قُرَيْشٍ، وَالصّدّيقُ فِي الْعَرَبِ، وَهُوَ الْجَامِعُ لِكُلّ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ وَقَدْ جَاءَ بِأَمْرِ قَبِلَهُ الْجَنَانُ وَأَنْكَرَهُ اللّسَانُ مَخَافَةَ الشّنَآنِ وَأَيْمُ اللهِ كَأَنّي أَنْظُرُ إلَى صَعَالِيكِ الْعَرَبِ، وَأَهْلِ الْبِرّ فِي الْأَطْرَافِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ النّاسِ قَدْ أَجَابُوا دَعْوَتَهُ وَصَدّقُوا كَلِمَتَهُ وَعَظّمُوا أَمْرَهُ فَخَاضَ بِهِمْ غَمَرَاتِ الْمَوْتِ فَصَارَتْ رُؤَسَاءُ قُرَيْشٍ وَصَنَادِيدُهَا أَذْنَابًا وَدُورُهَا خَرَابًا، وَضُعَفَاؤُهَا أَرْبَابًا، وَإِذَا أَعْظَمُهُمْ عَلَيْهِ أَحْوَجُهُمْ إلَيْهِ وَأَبْعَدُهُمْ مِنْهُ أَحْظَاهُمْ عِنْدَهُ قَدْ مَحَضَتْهُ الْعَرَبُ وِدَادَهَا، وَأَصْفَتْ لَهُ فُؤَادَهَا، وَأَعْطَتْهُ قِيَادَهَا، دُونَكُمْ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ابْنَ أَبِيكُمْ كُونُوا لَهُ وُلَاةً وَلِحِزْبِهِ حُمَاةً وَاللهِ لَا يَسْلُكُ أَحَدٌ مِنْكُمْ سَبِيلَهُ إلّا رَشَدَ وَلَا يَأْخُذُ أَحَدٌ بِهَدْيِهِ إلّا سَعِدَ وَلَوْ كَانَ لِنَفْسِي مُدّةٌ وَلِأَجَلِي تَأْخِيرٌ لَكَفَفْت عَنْهُ الْهَزَاهِزَ وَلَدَافَعْت عَنْهُ الدّوَاهِيَ ثُمّ هَلَكَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت