والموضع الثاني لذكرها حين قص علينا القرآن قصة عاد وعتوها عن أمر الله وفي"عاد"هذه نجد العبارة اكتنفت القصة بدءًا ونهاية. قال تعالى: (كذبت عادُ فكيف كان عذابىِ ونذر *ِإنا أرسلنا عليهم ريحًا صرصرًا في يومِ نحْسٍ مستمر * تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر * فكيف كان عذابى ونذر) (12) .
وتكرار العبارة هكذا في البداية والنهاية إخراج لها مخرج الاهتمام. مع ملاحظة أن أحداث القصة هنا صُورت في عبارات قصيرة ولكنها محكمة وافية .. ولم يسلك هذا المسلك في قصة نوح أعنى قصر العبارات والسبب فيما يبدو لي أن إهلاك قوم نوح كان بالإغراق في الماء. وهي وسيلة كثيرًا ما تكون سبب هلاك. فقد كانت سبب هلاك فرعون وملئه .. أما أن يكون الإهلاك بالريح فذلك أمر يدعو إلى التأمل والتفكر.
ولعل مما يقوى رأينا هذا. أن هذه القصة قصة عاد وردت في موضع آخر من القرآن يتفق مع هذا الموضوع من حيث الفكرة، ويختلف معه قليلًا من حيث طريقة العرض وزيادة التفصيل.
جاء في سورة الحاقة: (وأما عاد فأهلكوا بريح صرصرٍ عاتية* سخرها عليهم سبع ليالٍ وثمانية أيام حُسومًا فترى القوم فيها صرعَى كأنهم أعجاز نخل خاوية * فهل ترى لهم من باقية) (13) .
فإرسال الريح هكذا سبع ليال وثمانية أيام حسومًا مدعاة للعظة والاعتبار.
ومثله: (وفى عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم * ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم) (14) . (فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا مَن أشد منا قوة أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون * فأرسلنا عليهم ريحًا صرصرًا في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزى في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون) (15) .
فقد بطرت"عاد"نعم ربها عليها. وغرها ما فيه من أسباب التمكين في الأرض وقوة البطش أن تبارز ربها ومولى نعمها بالمعاصى، فأهلكها الله بما لا قبل لها به. وفي كل موضع يذكر القرآن فيه قصة هؤلاء، تأتى عباراته قوية هادرة واعظة زاجرة ..
جاء في موضع آخر: (ألم تر كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد * التي لم يُخلق مثلها في البلاد) (16)
وكانت عاقبتها خسرًا وهلاكًا مع من طغى في الأرض بغير الحق: (فصب عليهم ربك سوط عذاب * إن ربك لبالمرصاد) (17) .
أما الموضع الأخير الذي ذكرت فيه هذه العبارة: (فكيف كان عذابى ونذر (فحين قص الله علينا قصة"ثمود"، وقد جاءت فيها كذلك مهيئة لتلقى صورة العقاب بعد التشويق إليها عند السامع. ولفت نظره إليها:(فكيف كان عذابى ونذر* إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر) (18) .
ومن هنا ندرك شدة اقتضاء المقام لهذا التكرار. فليست إحدى العبارات في موضع بمغنية عن أختها في الموضع الآخر. إنما هو اتساق عجيب تطلبه المقام من الناحيتين: الدينية والأدبية.
من الناحية الدينية حيث تحمل المومنين على التذكر والاعتبار عقب كل قصة من هذه القصص، ومن الناحية الأدبية لأن العبارة: (فكيف كان عذابى ونذر (تأتى عقب كل قصة أيضًا لافتة أنظار المشاهدين إلى"كنه"النهاية وختام أحداث القصة.
وقد مهد القرآن لهذا التكرار حيث لم يأت إلا بعد خمس عشرة آية تنتهي كلها بفاصلة واحدة تتحد نهاياتها بحرف"الراء"مع التزام تحريك ما قبلها. وذلك هو نهج فواصل السورة كلها. وقد أشاع هذا النسق الشاجى نوعًا من الإحساس القوى بجو الإنذار. والسورة فوق كل هذا مكية النزول والموضوع.