كما أن الطابع القصصى هو السائد في هذه السورة. فبعد أن صور القرآن الكريم موقف أهل مكة من الدعوة الجديدة. وبَيَّن ضلال مسلكهم. وقد كان الرسول (حريصًا على هدايتهم في وقت هم فيه أشد ما يكونون إعراضًا عنه. لهذا اقتضى الموقف العام سوق عِبَر الماضين ليكون في ذلك تسلية للرسول (ومن اتبعه وزجر لمن عارضه وصد عنه.
وما دام هذا هو طابع السورة فإن أسس التربية خاصة تربية الأمم تستدعى تأكيد الحقائق بكل وسيلة ومنها التكرار الذي لمسناه في سورتنا هذه؛ حتى لكأنه أصيل فيها وليس بمكرر.
* تكرار آخر في سورة"القمر":
وفى هذه السورة"القمر"مظهر آخر من مظاهر التكرار، هو قوله تعالى: (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) (19) . حيث ورد في السورة أربع مرات، وهذه دعوة صالحة للتأمل فيما يسوقه الله من قصص.
وقد اشتملت هذه الآية: (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر (على خبر واستفهام، والخبر تمهيد للاستفهام الذي فيها ولفت النظر إليه.
* التكرار في سورة"الرحمن":
أما التكرار الوارد في"الرحمن"في قوله تعالى: (فبأى آلاء ربكما تكذبان (حيث تكررت الآية فيها إحدى وثلاثين مرة فله أسبابه كذلك. ويمكن أن نسجل هذه الملاحظات:
أولًا: إن هذا التكرار الوارد في سورة"الرحمن"هو أكثر صور التكرار الوارد في القرآن على الإطلاق.
ثانيًا: إنه أي التكرار في هذا الموضع قد مُهِّدَ له تمهيدًا رائعًا. حيث جاء بعد اثنتى عشرة آية متحدة الفواصل. وقد تكررت في هذا التمهيد كلمة"الميزان"ثلاث مرات متتابعة دونما نبو أو ملل:
(والسماء رفعها ووضع الميزان * ألا تطغوا في الميزان * وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان) (20) .
وهذا التمهيد قد أشاع كذلك لحنًا صوتيًّا عذبًا كان بمثابة مقدمة طبيعية لتلائم صور التكرار ولتألفها النفس وتأنس بها فلا تهجم عليها هجومًا؛ لأن القرآن قد راعى في فواصل المقدمة التمهيدية ما انبنت عليه فواصل الآية المكررة.
ثالثًا: إن الطابع الغالب على هذه السورة هو طابع تعداد النعم على الثَقَلين: الإنس والجن، وبعد كل نعمة أو نِعَم يعددها الله تأتى هذه العبارة: (فبأى آلاء ربكما تكذبان (.
وعلى هذا الأساس يمكن بيسر فهم عِلّة التكرار الذي حفلت به سورة الرحمن أنه تذكير وتقرير لنعمه. وأنها من الظهور بمكان فلا يمكن إنكارها أو التكذيب بها.
"فتكرار الفاصلة في الرحمن .. يفيد تعداد النِّعَم والفصل بين كل نعمة وأخرى لأن الله سبحانه عدَّد في السورة نعماءه وذكَّرعباده بآلائه. ونبههم على قدرها وقدرته عليها ولطفه فيها. وجعلها فاصلة بين كل نعمة لتعرف موضع ما أسداه إليهم منها. ثم فيها إلى ذلك معنى التبكيت والتقريع والتوبيخ؛ لأن تعداد النِعَم والآلاء من الرحمن تبكيت لمن أنكرها كما يبكت منكر أيادى المنعَم عليه من الناس بتعديدها" (21) . ولقائل أن يسأل: إن هذه
الفاصلة قد تكررت بعدما هو ليس بنعمة من وعيد وتهديد. فكيف يستقيم التوجيه إذن بعد هذه الآيات؟
(يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران * فبأى آلاء ربكما تكذبان) (22) .
(يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصى والأقدام * فبأى آلاء ربكما تكذبان) (23) .
(هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون * يطوفون بينها وبين حميم آن * فبأى آلاء ربكما تكذبان) (24) .
وظاهر هذه الآيات بلاء وانتقام وليس بنعم.
والجواب: ولكن المتأمل يدرك أن في الإنذار والوعيد وبيان مآل الضالين عصمة للإنسان من الوقوع فيما وقعوا فيه فيكون مصيره مصيرهم.
ومن هذا الاعتبار يتبين أن هذه المواضع مندرجة تحت النعم، لأن النعمة نوعان: إيصال الخير. ودفع الشر. والسورة اشتملت على كلا النوعين فلذلك كررت الفاصلة.
* التكرار في سورة"المرسلات":
بقى التكرار الوارد في سورة"المرسلات". وقد صنع ما صنع في نظيريه في"القمر"و"الرحمن"من التقديم له بتمهيد .. وله مثلهما هدف عام اقتضاه.
بيد أن التمهيد يختلف عما سبق في " القمر و"الرحمن". فقد رأينا فيهما اتحاد الفاصلة في الحروف الأخيرة مع التزام نهج معين فيما قبله. أما هنا فإن الأمر يختلف."