وَقَدِ اخْتَلَفَ أَئِمَّةُ اللُّغَةِ وَالْإِعْرَابِ فِي وَجْهِ تَذْكِيرِ خَبَرِ (رَحْمَةَ اللَّهِ) حَيْثُ قَالَ (قَرِيبٌ) وَلَمْ يَقُلْ قَرِيبَةٌ.
فَقَالَ الزَّجَّاجُ: إِنَّ الرَّحْمَةَ مُؤَوَّلَةٌ بِالرَّحِمِ لِكَوْنِهَا بِمَعْنَى الْعَفْوِ وَالْغُفْرَانِ، وَرَجَّحَ هَذَا التَّأْوِيلَ النَّحَّاسُ. وَقَالَ النضر ابن شُمَيْلٍ: الرَّحْمَةُ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى التَّرَحُّمِ، وَحَقُّ الْمَصْدَرِ التَّذْكِيرُ. وَقَالَ الْأَخْفَشُ سَعِيدٌ: أَرَادَ بِالرَّحْمَةِ هُنَا الْمَطَرَ، وَتَذْكِيرُ بَعْضِ الْمُؤَنَّثِ جَائِزٌ، وَأَنْشَدَ:
فَلَا مُزْنَةَ وَدَقَتْ وَدْقَهَا ... وَلَا أَرْضَ أَبَقَلَ أَبْقَالُهَا
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: تَذْكِيرُ (قَرِيبٌ) عَلَى تَذْكِيرِ الْمَكَانِ، أَيْ: مَكَانٌ قَرِيبٌ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمَانَ الْأَخْفَشُ:
وَهَذَا خَطَّأٌ، وَلَوْ كَانَ كَمَا قَالَ لَكَانَ قَرِيبٌ مَنْصُوبًا كَمَا تَقُولُ: إِنَّ زَيْدًا قَرِيبًا مِنْكَ.
وَقَالَ الْفَرَّاءُ: إِنَّ الْقَرِيبَ إِذَا كَانَ بِمَعْنَى الْمَسَافَةِ فَيُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ، وَإِنْ كَانَ بِمَعْنَى النَّسَبِ فَيُؤَنَّثُ بِلَا اخْتِلَافٍ بَيْنَهُمْ.
وَرُوِيَ عَنِ الْفَرَّاءِ أَنَّهُ قَالَ: يُقَالُ فِي النَّسَبِ قَرِيبَةُ فُلَانٍ، وَفِي غَيْرِ النَّسَبِ يَجُوزُ التَّذْكِيرُ وَالتَّأْنِيثُ فَيُقَالُ: دَارُكَ عَنَّا قَرِيبٌ وَفُلَانَةٌ مِنَّا قَرِيبٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا) ومنه قول امرئ القيس:
له الويل إن أمسى وَلَا أُمُّ هَاشِمٍ ... قَرِيبٌ وَلَا الْبَسْبَاسَةُ ابْنَةُ يَشْكُرَا
وَرَوِيَ عَنِ الزَّجَّاجِ أَنَّهُ خَطَّأَ الْفَرَّاءَ فِيمَا قَالَهُ وَقَالَ: إِنَّ سَبِيلَ الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ أَنْ يَجْرِيَا عَلَى أَفْعَالِهِمَا
وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمَّا كَانَ تَأْنِيثُ الرَّحْمَةِ غَيْرَ حَقِيقِيٍّ جَازَ فِي خَبَرِهَا التَّذْكِيرُ، ذَكَرَ مَعْنَاهُ الْجَوْهَرِيُّ.