وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: (مِمَّا فِي بُطُونِهِ) رَاجِعٌ إِلَى الْأَنْعَامِ.
قَالَ سِيبَوَيْهِ: الْعَرَبُ تُخْبِرُ عَنِ الْأَنْعَامِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: لَمَّا كَانَ لَفْظُ الْجَمْعِ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ، فَيُقَالُ هُوَ الْأَنْعَامُ، وَهِيَ الْأَنْعَامُ جَازَ عَوْدُ الضَّمِيرِ بِالتَّذْكِيرِ. وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: مَعْنَاهُ مِمَّا فِي بُطُونِ مَا ذَكَرْنَا فَهُوَ عَلَى هَذَا عَائِدٌ إِلَى المذكور.
قَالَ الْفَرَّاءُ: وَهُوَ صَوَابٌ. وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: هَذَا فَاشٍ فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ مِثْلُ قَوْلِهِ لِلشَّمْسِ (هذا رَبِّي) يَعْنِي هَذَا الشَّيْءَ الطَّالِعَ، وَكَذَلِكَ: (وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ) ، ثم قال: (فَلَمَّا جاءَ سُلَيْمانَ) ، وَلَمْ يَقُلْ جَاءَتْ لِأَنَّ الْمَعْنَى جَاءَ الشَّيْءُ الذي ذكرنا انتهى، ومن ذلك قوله: (إِنَّها تَذْكِرَةٌ) - (فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ) ومثله قول الشاعر:
مثل الفراخ نتفت حَوَاصِلُهُ. وَلَمْ يَقُلْ حَوَاصِلُهَا.
وَقَوْلُ الْآخَرِ:
وَطَابَ إِلْقَاحُ اللُّبَانِ وَبَرَدَ وَلَمْ يَقُلْ وَبَرُدَتْ.
وَحُكِيَ عَنِ الْكِسَائِيِّ أَنَّ الْمَعْنَى مِمَّا فِي بُطُونِ بَعْضِهِ وَهِيَ الْإِنَاثُ لِأَنَّ الذُّكُورَ لَا أَلْبَانَ لَهَا، وَبِهِ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ، وَحُكِيَ عَنِ الْفَرَّاءِ أَنَّهُ قَالَ: النَّعَمُ وَالْأَنْعَامُ وَاحِدٌ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ، وَلِهَذَا تَقُولُ الْعَرَبُ:
هَذِهِ نَعَمٌ وَارِدٌ فَرَجَعَ الضَّمِيرُ إِلَى لَفْظِ النَّعَمِ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الْأَنْعَامِ، وَهُوَ كَقَوْلِ الزَّجَّاجِ وَرَجَّحَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فَقَالَ: إِنَّمَا يَرْجِعُ التَّذْكِيرُ إِلَى مَعْنَى الْجَمْعِ، وَالتَّأْنِيثُ إِلَى مَعْنَى الْجَمَاعَةِ، فَذَكَّرَهُ هُنَا بِاعْتِبَارِ لَفْظِ الْجَمْعِ، وَأَنَّثَهُ فِي سُورَةِ الْمُؤْمِنِينَ بِاعْتِبَارِ لَفْظِ الْجَمَاعَةِ.