وَخَصَّ سُبْحَانَهُ الِاسْتِوَاءَ إِلَى السَّمَاءِ مَعَ كَوْنِ الْخِطَابِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى ذَلِكَ مُتَوَجِّهًا إِلَيْهَا وَإِلَى الْأَرْضِ كَمَا يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: (فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا) اسْتِغْنَاءً بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ ذِكْرِ تَقْدِيرِهَا، وَتَقْدِيرِ مَا فِيهَا
وَقَدِ اسْتُشْكِلَ الْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الْآيَةِ وَبَيْنَ قَوْلِهِ: (وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها) فَإِنَّ مَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ قَوْلِهِ: (ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ) مُشْعِرٌ بِأَنَّ خَلْقَهَا مُتَأَخِّرٌ عَنْ خَلْقِ الْأَرْضِ، وَظَاهِرُهُ يُخَالِفُ قَوْلَهُ:
(وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها) فَقِيلَ إِنَّ (ثُمَّ) فِي (ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ) لَيْسَتْ لِلتَّرَاخِي الزَّمَانِيِّ بَلْ لِلتَّرَاخِي الرُّتْبِيِّ، فَيَنْدَفِعُ الْإِشْكَالُ مِنْ أَصْلِهِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهَا لِلتَّرَاخِي الزَّمَانِيِّ فَالْجَمْعُ مُمْكِنٌ بِأَنَّ الْأَرْضَ خَلْقُهَا مُتَقَدِّمٌ عَلَى خَلْقِ السَّمَاءِ، وَدَحْوُهَا بِمَعْنَى بَسْطِهَا هُوَ أَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى مُجَرَّدِ خَلْقِهَا فَهِيَ مُتَقَدِّمَةٌ خَلْقًا مُتَأَخِّرَةٌ دَحْوًا وَهَذَا ظَاهِرٌ، وَلَعَلَّهُ يَأْتِي عِنْدَ تَفْسِيرِنَا لِقَوْلِهِ: (وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها) زِيَادَةُ إِيضَاحٍ لِلْمَقَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.