فهرس الكتاب
{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14) }
(باب في حكمة خلق الإنسان)
قال تعالى: {ولَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ} [المؤمنون: 12] . إلى آخر ما وصفه سبحانه.
اعلم وفقك اللّه تعالى أن اللّه عزّ وجلّ لما سبق في علمه خلق الخلق وبثهم في هذه الدار، وتكليفهم فيها للبلوى والاختبار. خلقهم سبحانه متناسلين بعضهم من بعض، فخلق سبحانه الذكر والأنثى وألقى في قلوبهم المحبة والدواعي حتى عجزوا عن الصبر وعدموا الحيلة في اجتناب الشهوة. فساقتهم الشهوة المفطورة في خلقهم إلى الاجتماع وجعل الفكرة تحرك عضوا مخصوصا به إلى إيداع الماء في القرار المكين الذي يخلق فيه الجنين، فاجتمعت فيه النطفة من سائر البدن وخرجت ماء دافقا مندفعا من بين الصلب والترائب بحركة مخصوصة، فانتقلت بسبب الإفلاج من باطن إلى باطن. فكانت مع انتقالها باقية على أصلها، لأنها ماء مهين أدنى شيء يباشرها يفسدها وبغير مزاجها، فهي ماء يختلط جميعه مستوية أجزاؤه لا تفاوت فيها بحال، فخلق سبحانه منه الذكر والأنثى بعد نقلها من النطفة إلى العلقة إلى المضغة إلى العظام، ثم كساها اللحم وشدها بالأعصاب والأوتار ونسجها بالعروق، وخلق الأعضاء وركبها فدور سبحانه الرأس وشق فيها السمع والبصر والأنف والفم وسائر المنافذ. فجعل العين للبصر، ومن العجائب سر كونها مبصرة للأشياء، وهو أمر يعجز عن شرح سره، وركبها من سبع طبقات لكل طبقة صفة وهيئة مخصوصة بها، فلو فقدت طبقة منها أو زالت لتعطلت عن الأبصار، وانظر إلى هيئة الأشفار التي تحيط بها وما خلق فيها من سرعة الحركة لتقي العين مما يصل إليها مما يؤذيها من غبار وغيره، فكانت الأشفار بمنزلة باب يفتح وقت الحاجة ويغلق في غير وقت، ولما كان المقصود من الأشفار جمال العين والوجه جعل شعرها على قدر لا يزيد زيادة تضر بالعين ولا تنقص نقصا يضر بها، وخلق في مائها ملوحة لتقطيع ما يقع فيها، وجعل طرفيهما منخفضين عن وسطهما قليلا لينصرف ما يقع في العين لأحد الجانبين، وجعل الحاجبين جمالا للوجه وسترا للعينين وشعرهما يشبه الأهداب في عدم الزيادة المشوهة، وجعل شعر الرأس واللحية قابلا للزيادة والنقص، فيفعل فيهما ما يقصد به الجمال من غير تشويه، ثم انظر إلى الفم واللسان وما في ذلك من الحكم، فجعل الشفتين سترا للفم كأنهما باب يغلق وقت ارتفاع الحاجة إلى فتحه، وهو ستر على اللثة والأسنان مفيد للجمال، فلو لا هما لتشوهت الخلق، وهما معينان على الكلام واللسان للنطق والتعبير عما في ضمير الإنسان وتقليب الطعام وإلقائه تحت الأضراس حتى يستحكم مضغه، ويسهل ابتلاعه، ثم جعل الأسنان أعدادا متفرقة ولم تكن عظما واحدا، فإن أصاب بعضها ثلم انتفع بالباقي، وجمع فيها بين النفع والجمال، وجعل ما كان منها معكوسا زائد الشعب حتى تطول مدته مع الصف الذي تحته، وجعلها صلبة ليست كعظام البدن لدعاء الحاجة إليها على الدوام، وفي الأضراس كبر وتسريف لأجل الحاجة إلى درس الغذاء، فإن المضغ هو الهضم الأول، وجعلت الثنايا والأنياب لتقطيع الطعام وجمالا للفم فأحكم أصولها، وحدد ضروسها، وبيض لونها مع حمرة ما حولها، متساوية الرؤوس متناسبة التركيب، كأنها الدر المنظوم، ثم انظر كيف خلق في الفم نداوة محبوسة لا تظهر إلا في وقت الحاجة إليها، فلو ظهرت وسالت قبل ذلك لكان تشويها للإنسان، فجعلت ليبل بها ما يمضغ من الطعام حتى يسهل تسويغه من غير عنت ولا ألم. فإذا فقد الأكل عدمت تلك النداوة الزائدة التي خلقت للترطيب، وبقي منها ما يبل اللهوات والحلق لتصوير الكلام ولئلا يجف، فإن جفافه مهلك للإنسان، ثم انظر إلى رحمة اللّه ولطفه، إذ جعل للآكل لذة الأكل فجعل الذوق في اللسان وغيره من أجزاء الفم ليعرف بالذوق ما يوافقه ويلائمه من الملذوذ فيجد في ذلك راحة في الطعام والشراب إذا دعت حاجة إلى تناوله وليجتنب الشيء الذي لا يوافقه، ويعرف بذلك حد ما تصل الأشياء إليه في الحرارة والبرودة، ثم إن اللّه تعالى شق السمع وأودعه رطوبة مرة يحفظ بها السمع من ضرر الدود ويقتل أكثر الهوام الذين يلجون السمع، وحفظ الأذن بصدفة لتجمع الصوت فترده إلى صماخها. وجعل فيها زيادة حس لتحس بما يصل إليها مما يؤذيها من هوام وغيرها، وجعل فيها تعويجات ليتطرد فيها الصوت، ولتكثر حركة ما يدب فيها ويطول طريقه فيتنبه فيتأثر ويتنبه صاحبها من النوم، ثم انظر إلى إدراكه المشمومات بواسطة ولوج الهواء، وذلك سر لا يعلم حقيقته إلا الباري سبحانه إلى غير ذلك، ثم انظر كيف رفع الأنف في وسط الوجه، فأحسن شكله، وفتح منخريه، وجعل فيها حاسة الشم ليستدل باستنشاقه على روائح مطاعمه ومشاربه، وليتنعم بالروائح العطرة ويجتنب الخبائث القذرة، وليستنشق أيضا روح الحياة غذاء لقلبه وترويحا لحرارة باطنه، ثم خلق الحنجرة وهيأها لخروج الأصوات، ودور اللسان في الحركات والتقطيعات، فينقطع الصوت في مجاري مختلفة تختلف بها الحروف ليشع طرق النطق، وجعل الحنجرة مختلف الأشكال في الضيق والسعة والخشونة والملاسة وصلابة الجوهر ورخاوته والطول والقصر، حتى اختلف بسبب ذلك الأصوات. فلم يتشابه صوتان، كما خلق بين كل صورتين اختلافا فلم تشتبه صورتان، بل يظهر بين كل صورتين فرقان، حتى يميز السامع بعض الناس عن بعض بمجرد الصوت، وكذلك يظهر بين كل شخصين فرقان، وذلك لسر التعارف فإن اللّه تعالى لما خلق آدم وحواء خالف بين صورتيهما، فخلق منهما خلقا جعله مخالفا لخلق أبيه وأمه،