فهرس الكتاب

الصفحة 88 من 153

{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ(90)}

(فصل: في بيان الفتوة)

الفتى من تخلى عن تدبير نفسه وماله وولده ووهب الكل لمن له الكل بل ليس له ما يهب فإنها ذهبت في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وأَمْوالَهُمْ} [التوبة: 111] . تخلق بقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ والْإِحْسانِ} [النحل: 90] .

ما ترك العدل والإحسان من طاعة اللّه تعالى شيئا إلا جمعه، وما ترك الفحشاء والمنكر من معصية اللّه تعالى شيئا إلا جمعه. فتوة العامة بالأموال، وفتوة الخاصة بالأموال والأفعال، وفتوة خاص الخواص بهما وبالأحوال، وفتوة الأنبياء بهما وبالأسرار، وهو الذي ليس في باطنه دعوى ولا في ظاهره تصنع ومراءاة، وسره الذي بينه وبين اللّه تعالى لا يطلع عليه صدره، فكيف الخلق.

ومن شأن الفتى النظر إلى الخلق بعين الرضى وإلى نفسه بعين السخط ومعرفة حقوق من هو فوقه ومثله ودونه ولا يتعرض لإخوانه بزلة أو حقرة أو كذب، وينظر إلى الخلق كأنهم أولياء غير مستقبح منهم إلا ما خالف الشرع مع أن ذلك ينسبه إلى الشيطان ذنبا لا إلى أخيه المسلم. فكيف إلى اللّه عزّ وجلّ مع أنه يغيره بيده، فإن لم يستطع فبقلبه والإياس من الخلق وترك السؤال والتعريض وكتمان الفقر وإظهار الغنى وترك الدعوى وكتمان المعنى واحتمال الأذى، وأن يؤثر مراد غيره على هواه خلقا وفعلا، وأن لا يزال في حاجة غيره ويعطي بلا امتنان ولا يطالب أحدا بواجب حقه ويطالب نفسه بحقوق الناس ويرى الفضل لهم ويلزم نفسه التقصير في جميع ما يأتي به، ولا يستكثر ما يأتي به، ومن شأن الفتى ترك كل ما للنفس فيه حظ، ويستوي عنده المدح والذم من العامة، ومن شأنه الصدق والوفاء والسخاء والحياء وحسن الخلق وكرم النفس وملاطفة الإخوان ومجانبة سماع القبيح من الأصدقاء، وكرم العهد بالوفاء والتباعد عن الحقد والحسد والغش، ومن شأنه الحب والبغض في اللّه والتوسعة على الإخوان من ماله وجاهه إن أمكنه. وترك الامتنان عليهم بذلك وصحبة الأخيار ومجانبة الأشرار، ويكون خصما على نفسه لربه ولا يكون له خصما غيرها فيجتهد في كسر هواها، لأنه قيل: الفتى من كسر الأصنام وهي صنم الإنسان.

ومن شأن الفتى أن لا ينافر فقيرا لفقره، ولا يعارض غنيا لغناه، ويعرض عن الكونين، ويستوي عنده المقيم والطارئ، ومن يعرف ومن لا يعرف، ولا تمييز بين الولي والكافر من جهة الأكل، ولا يدخر ولا يعتذر ويظهر النعمة ويسر المحبة وإذا كان في عشرة فلا يتغير إن كان ما أتى به عشيره أقل أو أكثر، وأن لا يحمّر وجه أحد فيما لم يندبه الشرع إليه. ولا يربح على صديق وما خرج عنه لا يرجع فيه وإن أعطى شكر وإن منع صبر، بل إن اعطى آثر وإن منع شكر الفتوة أن لا يشتغل بالخلق عن الحق، وفتوة العارف بمعروفه، وفتوة غيره بمعتاده ومألوفه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت