{وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يَاوَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (29) }
اعلم أن الناس في حقك ثلاثة أصناف: إما أصدقاء، وإما معارف، وإما مجاهيل.
فإن بليت بالعوام المجهولين فآداب مجالستهم: ترك الخوض في حديثهم، وقلة الإصغاء إلى أراجيفهم، والتغافل عما يجري من سوء ألفاظهم، والاحتراز عن كثرة لقائهم والحاجة إليهم، والتنبيه على منكراتهم باللطف والنصح عند رجاء القبول منهم.
وأما الإخوان والأصدقاء فعليك فيهم وظيفتان:
إحداهما: أن تطلب أولا شروط الصحبة والصداقة، فلا تؤاخ إلا من يصلح للأخوة والصداقة، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل» .
فإذا طلبت رفيقا ليكون شريكك في التعلم وصاحبك في أمر دينك ودنياك فراع فيه خمس خصال:
الأولى العقل: فلا خير في صحبة الأحمق، فإلى الوحشة والقطيعة يرجع آخرها، وأحسن أحواله أن يضرك وهو يريد أن ينفعك، والعدو العاقل خير من الصديق الأحمق؛ قال علي رضي اللّه عنه:
فلا تصحب أخا الجهل ... وإيّاك وإيّاه
فكم من جاهل أردى ... حليما حين واخاه
يقاس المرء بالمرء ... إذا ما المرء ماشاه
كحذو النّعل بالنّعل ... إذا ما النّعل حاذاه
وللشّيء من الشّيء ... مقاييس وأشباه
وللقلب على القلب ... دليل حين يلقاه
الثانية حسن الخلق: فلا تصحب من ساء خلقه، وهو الذي لا يملك نفسه عند الغضب والشهوة؛ وقد جمعه علقمة العطاردي رحمه اللّه تعالى في وصيته لابنه لما حضرته الوفاة فقال: يا بني إذا أردت صحبة إنسان فاصحب من إذا خدمته صانك، وإن صحبته زانك، وإن قعدت بك مؤونة مانك. اصحب من إذا مددت يدك بخير مدها، وإن رأى منك حسنة عدّها، وإن رأى منك سيئة سدها. اصحب من إذا قلت صدّق قولك، وإذا حاولت أمرا أعانك ونصرك، وإن تنازعتما في شيء آثرك.
وقال علي رضي اللّه عنه رجزا:
إنّ أخاك من كان معك ... ومن يضرّ نفسه لينفعك
ومن إذا ريب الزّمان صدعك ... شتّت فيك شمله ليجمعك
الثالثة الصلاح: فلا تصحب فاسقا مصرّا على معصية كبيرة، لأن من يخاف اللّه لا يصرّ على معصية كبيرة، ومن لا يخاف اللّه لا تؤمن غوائله، بل يتغير بتغير الأحوال والأعراض؛ قال اللّه تعالى لنبيه صلى اللّه عليه وسلم: ولا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا واتَّبَعَ هَواهُ وكانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [الكهف: 28] فاحذر صحبة الفاسق، فإن مشاهدة الفسق والمعصية على الدوام تزيل عن قلبك كراهية المعصية ويهون عليك أمرها؛ ولذلك هان على القلوب معصية الغيبة، لا لفهم لها، ولو رأوا خاتما من ذهب أو ملبوسا من حرير على فقيه لاشتد إنكارهم عليه، والغيبة أشد من ذلك.
الرابعة أن لا يكون حريصا على الدنيا: فصحبة الحريص على الدنيا سم قاتل؛ لأن الطباع مجبولة على التشبه والاقتداء، بل الطبع يسرق من الطبع من حيث لا يدري، فمجالسة الحريص تزيد في حرصك، ومجالسة الزاهد تزيد في زهدك.
الخامسة الصدق: فلا تصحب كذابا فإنك منه على غرور، فإنه مثل السراب يقرب منك البعيد ويبعد منك القريب.