فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 153

{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ(6)}

(فصل في الكفر)

لعلك تشتهي أن تعرف حدّ الكفر بعد أن تتناقض عليك حدود أصناف المقلدين، فاعلم أن شرح ذلك طويل ومدركه غامض، ولكني أعطيك علامة صحيحة فتطردها وتعكسها لتتخذها مطمح نظرك وترعوي بسببها عن تكفير الفرق، وتطويل اللسان في أهل الإسلام وإن اختلفت طرقهم ما داموا متمسكين بقول لا إله إلّا اللّه محمّد رسول اللّه صادقين بها غير مناقضين لها فأقول:

الكفر هو تكذيب الرسول عليه الصلاة والسلام في شيء مما جاء به، والإيمان تصديقه في جميع ما جاء به، فاليهودي والنصراني كافران لتكذيبهما للرسول عليه الصلاة والسلام، والبرهمي كافر بالطريق الأولى لأنه أنكر مع رسولنا المرسل سائر الرسل، وهذا لأن الكفر حكم شرعي كالرق والحرية مثلا إذ معناه إباحة الدم والحكم بالخلود في النار ومدركه شرعي فيدرك إما بنص وإما بقياس على منصوص.

وقد وردت النصوص في اليهود والنصارى، والتحق بهم بالطريق الأولى البراهمة والثنوية والزنادقة والدهرية، وكلهم مشركون فإنهم مكذبون للرسول فكل كافر مكذب للرسول، وكل كافر مكذب فهو كافر فهذه هي العلامة المطردة المنعكسة.

(فصل)

اعلم أن الذي ذكرناه مع ظهوره تحته غور بل تحته كل الغور لأن كل فرقة تكفر مخالفها وتنسبه

إلى تكذيب الرسول عليه الصلاة والسلام، فالحنبلي يكفر الأشعري زاعما أنه كذب الرسول في إثبات الفوق للّه تعالى وفي الاستواء على العرش، والأشعري يكفره زاعما أنه مشبه وكذب الرسول في أنه ليس كمثله شيء، والأشعري يكفر المعتزلي زاعما أنه كذب الرسول في جواز رؤية اللّه تعالى وفي إثبات العلم والقدرة والصفات له، والمعتزلي يكفر الأشعري زاعما أن إثبات الصفات تكفير للقدماء وتكذيب للرسول في التوحيد، ولا ينجيك من هذه الورطة إلا أن تعرف حدّ التكذيب والتصديق وحقيقتهما فيه فينكشف لك علوّ هذه الفرق وإسرافها في تكفير بعضها بعضا.

فأقول: التصديق إنما يتطرق إلى الخبر بل إلى المخبر، وحقيقة الاعتراف بوجوه ما أخبر الرسول صلى اللّه عليه وسلم عن وجوده إلا أن للوجود خمس مراتب ولأجل الغفلة عنهما نسبت كل فرفة مخالفها إلى التكذيب فإن الوجود ذاتي وحسّي وخيالي وعقلي وشبهي، فمن اعترف بوجود ما أخبر الرسول عليه الصلاة والسلام عن وجوده بوجه من هذه الوجوه الخمسة فليس بمكذب على الإطلاق. فلنشرح هذه الأصناف الخمسة ولنذكر مثالها في التأويلات.

أما الوجود الذاتي فهو الوجود الحقيقي الثابت خارج الحسّ والعقل، ولكن يأخذ الحسّ والعقل عنه صورة فيسمى أخذه إدراكا وهذا كوجود السماوات والأرض والحيوان والنبات وهو ظاهر بل هو المعروف الذي لا يعرف الأكثرون للوجود معنى سواه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت