فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 153

وأما الوجود الحسّي: فهو ما يتمثل في القوة الباصرة من العين مما لا وجود له خارج العين فيكون موجودا في الحسّ ويختصّ به الحاس، ولا يشاركه غيره، وذلك كما يشاهده النائم بل كما يشاهده المريض المتيقظ إذ قد تتمثل له صورة ولا وجود لها خارج حسّه حتى يشاهدها كما يشاهد سائر الموجودات الخارجة عن حسّه، بل قد تتمثل للأنبياء والأولياء في اليقظة والصحّة صورة جميلة محاكية لجواهر الملائكة، وينتهي إليهم الوحي والإلهام بواسطتها فيتلقون من أمر الغيب في اليقظة ما يتلقاه غيرهم في النوم وذلك لشدة صفاء باطنهم. كما قال تعالى: {فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا} [مريم: 17] . وكما أنه عليه الصلاة والسلام رأى جبريل عليه السلام كثيرا، ولكن ما رآه في صورته إلا مرتين وكان يراه في صور مختلفة يتمثل بها وكما يرى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في المنام، وقد قال"من رآني في النوم فقد رآني حقا، فإن الشيطان لا يتمثّل بي"، ولا تكون رؤيته بمعنى انتقال شخصه من روضة المدينة إلى موضع النائم، بل هي على سبيل وجود صورته في الحسّ النائم فقط، وسبب ذلك وسره طويل، وقد شرحناه في بعض الكتب فإن كنت لا تصدق به فصدق عينك، فإنك تأخذ قبسا من نار كأنه نقطة ثم تحركه بسرعة حركة مستقيمة فتراه خطا من نار، وتحركه حركة مستديرة فتراه دائرة من نار، والدائرة والخط مشاهدان وهما موجودان في حسّك لا في خارج عن حسك، لأن الموجود في الخارج هي نقطة في كل حال، وإنما تصير خطا في أوقات متعاقبة فلا يكون الخط موجودا في حالة واحدة وهو ثابت في مشاهدتك في حالة واحدة.

وأما الوجود الخيالي: فهو صورة هذه المحسوسات إذا غابت عن حسك فإنك تقدر على أن تخترع في خيالك صورة فيل وفرس، وإن كنت مغمضا عينيك حتى كأنك تشاهده وهو موجود بكمال صورته في دماغك لا في الخارج.

وأما الوجود العقلي: فهو أن يكون للشيء روح وحقيقة ومعنى فيتلقى العقل مجرد معناه دون أن يثبت صورته في خيال أو حسّ أو خارج كاليد مثلا، فإن لها صورة محسوسة ومتخيلة ولها معنى هو حقيقتها وهي القدرة على البطش، والقدرة على البطش هي اليد العقلية، وللقلم صورة، ولكن حقيقته ما تنقش به العلوم، وهذا يتلقاه العقل من غير أن يكون مقرونا بصورة قصب وخشب وغير ذلك من الصور الخيالية والحسية.

وأما الوجود الشبهي: فهو أن لا يكون نفس الشيء موجودا لا بصورته ولا بحقيقته، لا في الخارج، ولا في الحس ولا في الخيال، ولا في العقل، ولكن يكون الموجود شيئا آخر يشبهه في خاصة من خواصه، وصفة من صفاته، وستفهم هذا إذا ذكرت لك مثاله في التأويلات. فهذه مراتب وجود الأشياء.

(فصل)

اسمع الآن أمثلة هذه الدرجات في التأويلات. أما الوجود الذاتي فلا يحتاج إلى مثال وهو الذي يجري على الظاهر ولا يتأوّل، وهو الوجود المطلق الحقيقي، وذلك كإخبار الرسول صلى اللّه عليه وسلم عن العرش والكرسي والسماوات السبع فإنه يجري على ظاهره ولا يتأوّل إذ هذه أجسام موجودة في أنفسها أدركت بالحسّ والخيال أو لم تدرك.

وأما الوجود الحسّي فأمثلته في التأويلات كثيرة، واقنع منها بمثالين:

أحدهما: قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم:"يؤتى بالموت يوم القيامة في صورة كبش أملح فيذبح بين الجنّة والنّار"، فإن من قام عنده البرهان على أن الموت عرض أو عدم عرض، وأن قلب العرض جسما مستحيل غير مقدور ينزل الخبر على أن أهل القيامة يشاهدون ذلك ويعتقدون أنه الموت، ويكون ذلك موجودا في حسّهم لا في الخارج، ويكون سببا لحصول اليقين باليأس عن الموت بعد ذلك إذ المذبوح ميئوس منه. ومن يقم عنده هذا البرهان فعساه يعتقد أن نفس الموت ينقلب كبشا في ذاته ويذبح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت