فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 153

{وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ(31)قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ(32)}

(فصل في بيان التحصيل للعلوم)

اعلم أن العلم الإنساني يحصل من طريقين، أحدهما: التعليم الإنساني، والثاني: التعليم الرباني.

أما الطريق الأول: فطريق معهود، ومسلك محسوس، يقرّ به جميع العقلاء، وأما التعليم الرباني فيكون على وجهين، أحدهما: من خارج وهو التحصيل بالتعلم، والآخر: من داخل وهو الاشتغال بالتفكر، والتفكر من الباطن بمنزلة التعلم في الظاهر، فإن التعلم استفادة الشخص من الشخص الجزئي، والتفكر استفادة النفس من النفس الكلي، والنفس الكلي أشد تأثيرا وأقوى تعليما من جميع العلماء والعقلاء، والعلوم مركوزة في أصل النفوس بالقوة كالبذر في الأرض، والجوهر في قعر البحر، أو في قلب المعدن، والتعلم هو طلب خروج ذلك الشيء من القوة إلى الفعل. والتعليم هو إخراجه من القوة إلى الفعل، فنفس المتعلم تتشبه بنفس المعلم وتتقرب إليه بالنسبة، فالعالم بالإفادة كالزارع والمتعلم بالاستفادة كالأرض.

والعلم الذي هو بالقوة كالبذر، والذي بالفعل كالنبات فإذا كملت نفس المتعلم تكون كالشجرة المثمرة أو كالجوهر الخارج من قعر البحر، وإذا غلبت القوى البدنية على النفس يحتاج المتعلم إلى زيادة التعلم وطول المدة، وتحمل المشقة والتعب وطلب الفائدة، وإذا غلب نور العقل على أوصاف الحس يستغني الطالب بقليل التفكر عن كثرة التعلم، فإن نفس القابل تجد من الفوائد بتفكر ساعة ما لا تجد نفس الجامد بتعلم سنة، فإذن بعض الناس يحصلون العلوم بالتعلم وبعضهم بالتفكر، والتعلم يحتاج إلى التفكر، فإن الإنسان لا يقدر أن يتعلم جميع الأشياء الجزئيات والكليات وجميع المعلومات، بل يتعلم شيئا ويستخرج بالتفكر من العلوم شيئا وأكثر العلوم النظرية والصنائع العلمية استخرجها نفوس الحكماء بصفاء ذهنهم، وقوة فكرهم، وحدّة حدسهم من غير زيادة تعلم وتحصيل، ولولا أن الإنسان يستخرج بالتفكر شيئا، من معلومه الأوّل لكان يطول الأمر على الناس، ولما كانت تزول ظلمة الجهل عن القلوب لأن النفس لا تقدر أن تتعلم جميع مهماتها الجزئية والكلية بالتعليم، بل بعضها بالتحصيل وبعضها بالنظر كما يرى عادات الناس، وبعضها يستخرج من ضميره بصفاء فكره، وعلى هذا جرت عادة العلماء وتمهدت قواعد العلوم. حتى أن المهندس لا يتعلم جميع ما يحتاج إليه في طول عمره، بل يتعلم كليات علمه وموضوعاته، ثم بعد ذلك يستخرج ويقيس.

وكذلك الطبيب لا يقدر أن يتعلم جزئيات أدواء الأشخاص وأدويتهم بل يتفكر في معلوماته الكلية. ويعالج كل شخص بحسب مزاجه. وكذلك المنجم يتعلم كليات النجوم ثم يتفكر ويحكم بالأحكام المختلفة. وكذلك الفقيه والأديب. وهكذا إلى بدائع الصنائع فواحد وضع آلة الضرب وهو العود بتفكره، وآخر استخرج من تلك الآلة آلة أخرى. وكذلك جميع الصنائع البدنية والنفسانية أوائلها محصلة من التعلم والبواقي مستخرجة من التفكر، وإذا انفتح باب الفكر على النفس علمت كيفية طريق التفكر وكيفية الرجوع بالحدس إلى المطلوب فينشرح قلبه وتنفتح بصيرته فيخرج ما في نفسه من القوة إلى الفعل من غير زيادة طلب وطول تعب.

الطريق الثاني: وهو التعليم الرباني على وجهين:

الأول: إلقاء الوحي وهو أن النفس إذا كملت ذاتها يزول عنها دنس الطبيعة ودرن الحرص والأمل الفانية. وتقبل بوجهها على بارئها ومنشئها وتتمسك بجود مبدعها وتعتمد على إفادته وفيض نوره، واللّه تعالى بحسن عنايته يقبل على تلك النفس إقبالا كليّا. وينظر إليها نظرا إلهيا ويتخذ منها لوحا. ومن النفس الكلي قلما وينقش فيها جميع علومه، ويصير العقل الكلي كالمعلم، والنفس القدسية كالمتعلم، فيحصل جميع العلوم لتلك النفس وينتقش فيها جميع الصور من غير تعلم وتفكر، ومصداق هذا قوله تعالى لنبيّه صلى اللّه عليه وسلم: {وعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ} [النساء: 113] . الآية.

فعلم الأنبياء أشرف مرتبة من جميع علوم الخلائق لأن محصوله عن اللّه تعالى بلا واسطة ووسيلة، وبيان هذا يوجد في قصّة آدم عليه السلام والملائكة، فإنهم تعلموا طول عمرهم، وحصلوا بفنون الطرق كثيرا من العلوم حتى صاروا أعلم المخلوقات وأعرف الموجودات، وآدم عليه السلام ما كان عالما لأنه ما تعلم وما رأى معلما فتفاخرت الملائكة وتجبروا وتكبروا [[1] ] فقالوا: {ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ} [البقرة: 30] . ونعلم حقائق الأشياء، فرجع آدم عليه السلام إلى باب خالقه، وأخرج قلبه عن جملة المكونات وأقبل بالاستعانة على الربّ تعالى فعلمه جميع الأسماء: {ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ} [البقرة: 31] . فقال: {أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ} [البقرة: 31] . فصغر حالهم عند آدم. وقل علمهم وانكسرت سفينة جبروتهم فغرقوا في بحر العجز {قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا} [البقرة: 32] . فقال تعالى: {يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ} [البقرة: 32] . فأنبأهم آدم عليه السلام عدّة مكنونات العلم ومستترات الأمر، فتقرر الأمر عند العقلاء أن العلم الغيبي المتولّد عن الوحي أقوى وأكمل من العلوم المكتسبة، وصار علم الوحي إرث الأنبياء وحقّ الرسل، وأغلق اللّه باب الوحي من عهد سيدنا محمد صلى اللّه عليه وسلم، وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وخاتم النبيين، وكان أعلم الناس وأفصح العرب والعجم وكان يقول:"أدبني ربي فأحسن تأديبي" [[2] ]، وقال لقومه: أنا أعلمكم وأخشاكم من اللّه تعالى، وإنما كان علمه أكمل وأشرف وأقوى لأنه حصل عن التعليم الرباني، وما اشتغل قطّ بالتعلم والتعليم الإنساني. قال تعالى: {عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى} [النجم: 5] .

الوجه الثاني: هو الإلهام، والإلهام تنبيه النفس الكلية للنفس الجزئية الإنسانية على قدر صفائها وقبولها وقوة استعدادها والإلهام أثر الوحي فإن الوحي هو تصريح الأمر الغيبي والإلهام هو تعريضه، والعلم الحاصل عن الوحي يسمى علما نبويا، والذي يحصل عن الإلهام يسمى علما لدنيا، والعلم اللدني هو الذي لا واسطة في حصوله بين النفس وبين الباري، وإنما هو كالضوء من سراج الغيب يقع على قلب صاف فارغ لطيف، وذلك أن العلوم كلها حاصلة معلومة في جوهر النفس الكلية الأولى الذي هو في الجواهر المفارقة الأولية المحضة بالنسبة إلى العقل الأول كنسبة حواء إلى آدم عليه السلام، وقد بيّن أن العقل الكلي أشرف وأكمل وأقوى إلى الباري تعالى من النفس الكلية. والنفس الكلية أعز وألطف وأشرف من سائر المخلوقات فمن إفاضة العقل الكلي يتولّد الإلهام ومن إشراق النفس الكلية يتولد الإلهام، فالوحي حلية الأنبياء والإلهام زينة الأولياء. فأما علم الوحي فكما أن النفس دون العقل فالولي دون النبي فكذلك الإلهام دون الوحي فهو ضعيف بنسبة الوحي قوي بإضافة الرؤيا والعلم علم الأنبياء والأولياء. فأما علم الوحي فخاض بالرسل موقوف عليهم كما كان لآدم وموسى عليهما السلام وإبراهيم ومحمّد صلّى اللّه عليهما وسلّم وغيرهم من الرسل، وفرّق بين الرسالة والنبوة. فالنبوة قبول النفس القدسية حقائق المعلومات والمعقولات إلى المستفيدين والقابلين، وربما يتفق القبول لنفس من النفوس ولا يتأتى لها التبليغ لعذر من الأعذار وسبب من الأسباب، والعلم اللدني يكون لأهل النبوة والولاية كما كان للخضر عليه السلام حيث أخبر اللّه تعالى عنه، فقال: {وعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا} [الكهف: 65] .

وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرّم اللّه وجهه:"أدخلت لساني في فمي فانفتح في قلبي ألف باب من العلم مع كل باب ألف باب، وقال: لو وضعت لي وسادة وجلست عليها لحكمت لأهل التوراة بتوراتهم"

ولأهل الإنجيل بإنجيلهم، ولأهل القرآن بقرآنهم."وهذه مرتبة لا تنال بمجرد التعلم الإنساني، بل يتحلى المرء بهذه المرتبة بقوة العلم اللدني، وقال أيضا رضي اللّه عنه يحكي عن عهد موسى عليه السلام أن شرح كتابه أربعون حملا فلو يأذن اللّه في شرح معاني الفاتحة لأشرع فيها حتى تبلغ مثل ذلك، يعني أربعين ووقرا، وهذه الكثرة والسعة والانفتاح في العلم لا يكون إلا لدنيا إلهيا سماويا. فإذا أراد اللّه تعالى بعبد خيرا رفع الحجاب بين نفسه وبين النفس التي هي اللوح، فيظهر فيها أسرار بعض المكنونات وانتقش فيها معاني تلك المكنونات فتعبر النفس عنها كما تشاء لمن يشاء من عباده وحقيقة الحكمة تنال من العلم اللدني وما لم يبلغ الإنسان هذه المرتبة لا يكون حكيما لأن الحكمة من مواهب اللّه تعالى: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ ومَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ} [البقرة: 269] ."

وذلك لأن الواصلين إلى مرتبة العلم اللدني مستغنون عن كثرة التحصيل وتعب التعليم فيتعلمون قليلا ويعلمون كثيرا ويتعبون يسيرا ويستريحون طويلا.

واعلم أن الوحي إذا انقطع. وباب الرسالة إذا انسدّ استغنى الناس عن الرسل وإظهار الدعوة بعد تصحيح الحجّة وتكميل الدين، كما قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3] .

وليس من الحكمة إظهار زيادة الفائدة من غير حاجة. فأما باب الإلهام فلا ينسدّ، ومدد نور النفس الكلية لا ينقطع لدوام ضرورة النفوس وحاجتها إلى تأكيد وتجديد وتذكير، وكما أن الناس استغنوا عن الرسالة والدعوة واحتاجوا إلى التذكير والتنبيه لاستغراقهم في هذه الوساوس وانهماكهم في هذه الشهوات فالله تعالى أغلق باب الوحي وهو آية العباد وفتح باب الإلهام رحمة وهيأ الأمور. ورتب المراتب ليعلموا أن اللّه لطيف بعباده يرزق من يشاء بغير حساب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت