فهرس الكتاب

الصفحة 68 من 153

{الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ(28)}

(فصل: في بيان معنى الأنس بالله تعالى)

اعلم: أن من أجل مواريث المحبة الأنس. أما حقيقة الأنس: فهو استبشار القلب وفرحه لما انكشف له من قرب اللّه تعالى وجماله وكماله.

وقال بعضهم: حقيقة القرب فقد حس الأشياء من القلب وهدوء الضمير إلى اللّه تعالى.

قلت: وهذا هو الوسيلة لنيل القرب لا نفس القرب، لأن هذا هو طهور القلب عما سوى اللّه تعالى وإذا تطهر القلب عما سوى اللّه تعالى كان حاضرا مع العبد، لأنه ليس بين العبد وبين اللّه إلا حجاب نفسه وعوارضها. فإذا فني عنها وعن عوارضها وعلم قيام العالم كله بقدرة اللّه تعالى عرف قرب اللّه تعالى بها كشفا وإرادته تخصيصا وقدرته إيجادا وإبقاء والصفات التي لا تفارق الموصوف بل صفاته قائمة بالموصوف، فإذا نطق العارف فلا ينطق بنفسه، وإذا سمع فلا يسمع بنفسه، وهكذا ورد في الحديث فالعارفون تنشأ أحوالهم عن قرب اللّه تعالى.

وأما الأبرار: فتنشأ أحوالهم عن ملاحظة علمهم بوجود الرب مطلقا مع العلم باقتداره على المنع والعطاء والإسعاد والإشقاء، والعارفون يرون ربهم في الدنيا بعين الإيقان والبصائر، وفي الأخرى بالإبصار أي بالعين قريب منهم في الدارين وليس قربه منهم في الأخرى مخالفا لقربه في الدنيا إلا بمزيد اللطف والعطف، وإلا فقد ارتفع هنا وهناك قرب المسافة ولم يكن بينه وبين مخلوق إضافة لا في الدنيا ولا في الآخرة ألبتة، وهذه المعرفة مثمرة الأنس بشرط الصفاء والأنس يثمر السكينة فهي صولة تعدل طغيان القلب وتثبته وتوقفه على حد الاعتدال في ژداب الحضرة، لأن لذة القرب في الأنس تطير ألباب العارفين وتوجب لهم الطغيان، لأن الإنسان يطغى عند الغنى.

وأما الطمأنينة: فهي وجود من بعد اعتدال بفرح واستبشار لمعرفة القلب بالمزيد وهي مستصحبة مع الأنس لأنها مقصودة في ذاتها، والسكينة وسيلة تحثها على الأدب والاعتدال، ومن ثمرات المحبة: الانبساط والإدلال وذلك أن الأنس إذا دام أنسه واستحكم ولم يشوشه قلق القلب لقصور نظره على طيب حاله أثمر ذلك انبساطا في الأقوال والأفعال والمناجاة، فلا يليق ذلك بحال التعظيم والإجلال الموجبان للمهابة، فإنه يليق بالمستأنس المنبسط ما لا يليق بالهائب، وذلك أن من أفعال اللّه الجائزة له أن يرضى على قوم بفعلهم ويغضب به على آخرين لاختلاف أحوالهم وللحكمة السابقة فيهم، ولذلك يغار على كلامه أن يسمعه إلا لأهل خاصته. قال اللّه تعالى: {وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وفِي آذانِهِمْ وَقْرًا} [الإسراء: 46] . وعبر عن السر في ذلك. فقال: {ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ} [الأنفال: 23] . وهذا حجاب الغيرة فحقيقتها حفظ الوقت مع الحق أن يشوشه مشوش شحا عليه، ومن ثمرات المحبة الشوق وهو أفضل من الأنس، لأن الأنس قصر نظره على ما انكشف له جمال المحبوب ولم يمتد نظره إلى ما غاب عنه والمشتاق كالعطشان الذي لا ترويه البحار لمعرفته بأن الذي انكشف له من الأمور الإلهية بالنسبة إلى ما غاب عنه كالذرة بالنسبة إلى سعة الوجود وللّه المثل الأعلى. وهذه المعرفة توجب الانزعاج والقلق والتعطش الدائم، لأن حقيقة القلق سرعة الحركة لنيل المطلوب مع إسقاط الصبر، وحقيقة التعطش شدة الطلب لما تأكدت الحاجة إليه، ومن اشتد قلقه وتعطشه وجد وحقيقة الوجد هو الشوق الغالب على قلب الطالب، وهذا الوجد بعد حصوله له أحوال:

الأول: الدهش. قال اللّه تعالى: {فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} [يوسف: 31] . وحقيقة الدهش غيبة القلب عن إحساسه لما فاجأه من الأمر العظيم.

الثاني: الهيمان إذا سكن قليلا وتكرر طروقه صار القلب متعجبا متحيرا من حسنه وبهائه وهذا هو الهيمان، لأن حقيقة الهيمان ذهاب التماسك تعجبا وتحيرا وهو أثبت دواما.

الثالث: أنسه وتمكينه منه حتى كأنه لم يدخل عليه داخل ولم يطرقه طارق وهذا هو التمكين.

قال الشيخ رحمه اللّه: التمكين إشارة إلى غاية الاستقرار، وذلك أن أي حالة وجدها المحب مع اللّه مرة تقوى عليه، ومرة يقوى عليها، ومرة يتلون، ومرة يثبت إلى أن يتمكن فيستقر، وهذا جار في كل حال، فإذا استقر ارتقى إلى غيره ليكون المرتقى إليه حالا والمرتقى عنه مقاما واللّه أعلم.

واعلم: أن هذه الأحوال إن وجدها العبد في الملأ دون الخلاء فهو معول يجب عليه المحاسبة ومطالبة نفسه بالعلامات، وإن وجدها في الخلاء دون الملاء فهو حسن ولكنه ناقص عن ذروة الكمال إذ الكمال استواء الحالات خلاء وملاء وحضرا وسفرا وفراغا وشغلا، لأن الفراغ شرط في البداية لا في النهاية.

وأما حد الواجب من المحبة: فهو الميل المسبب عن نفس الاعتقاد بأصول الإيمان فيما يتعلق بذات اللّه وصفاته، فإن جهل أصلا من الأصول نقصت المحبة بقدره وكان عليه إثمان: إثم الجهل وإثم فقد ثمرته.

وأما حقيقة الإيمان: فهو حضور القلب مع اللّه تعالى وشهوده الآثار الدالة على وجوده، واللّه تعالى أعلم وقد قيل:

الأنس بالله لا يحويه بطال ... وليس يدركه بالحول محتال

والآنسون رجال كلّهم نجب ... وكلّهم صفوة للّه عمال

ومن غلب عليه حال الأنس لم تكن له شهوة إلا الانفراد والخلوة.

وقال الواسطي: لا يصل إلى محل الأنس من لم يستوحش من الأكوان كلها.

وقال أبو الحسين الوراق: لا يكون الأنس بالله إلا ومعه التعظيم. لأن كل من استأنست به سقط عن قلبك تعظيمه إلا اللّه تعالى، فإنك لن تزيد به أنسا إلا ازددت منه هيبة وتعظيما.

وقد يكون الأنس، الأنس بطاعة اللّه وذكره وتلاوة كلامه وسائر أبواب القربات. وهذا القدر من الأنس نعمة من اللّه تعالى ومنحة، ولكن ليس هو حال الأنس الذي يكون للمحبين، والأنس حال شريف يكون عند طهارة الباطن وكنسه بصدق الزهد وكمال التقوى وقطع الأسباب والعلائق ومحو الخواطر والهواجس. وحقيقته عندي كنس الوجود بثقل لائح العظمة وانتشار الروح في ميادين الفتوح وله استقلال بنفسه يشتمل على القرب فيجمعه به عن الهيبة وفي الهيبة اجتماع الروح وهذا الوصف أنس الذات. وهيبة الذات يكون في مقام البقاء بعد العبور على ممر الفناء وهما غير الأنس والهيبة اللذان يذهبان بوجود الفناء، لأن الهيبة والأنس قبل الفناء ظهرا من مطالعة الصفات من الجلال والجمال وذاك مقام التلوين، وما ذكرنا بعد الفناء في مقام التمكين والبقاء من مطالعة الذات ومن الأنس خضوع النفس المطمئنة ومن الهيبة خشوعها، والخضوع والخشوع يتقاربان ويفترقان بفرق لطيف يدرك بإيماء الروح واللّه تعالى أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت