فهرس الكتاب
(فصل الفرق بين العلم والمعرفة)
وأما المعرفة: فهي نفس القرب وهو ما أخذ القلب وأثر فيه أثرا يؤثر في الجوارح. فالعلم:
كرؤية النار مثلا. والمعرفة كالاصطلاء بها، والمعرفة في اللغة: هو العلم الذي لا يقبل الشك وفي العرف اسم لعلم تقدمه نكرة، وفي عبارة الصوفية المعرفة هو العلم الذي لا يقبل الشك إذا كان المعلوم ذات اللّه تعالى وصفاته.
فإن قيل: ما معرفة الذات وما معرفة الصفات؟ يقال: معرفة الذات أن يعلم أن اللّه تعالى موجود واحد فرد وذات وشيء عظيم قائم بنفسه ولا يشبهه شيء، وأما معرفة الصفات: فأن تعرف أن اللّه تعالى حي عالم قادر سميع بصير إلى غير ذلك من الصفات.
فإن قيل: ما سر المعرفة؟ يقال: سرها وروحها التوحيد، وذلك بأن تنزه حياته وعلمه وقدرته وإرادته وسمعه وبصره وكلامه عن التشبيه بصفات الخلق: ليس كمثله شيء.
فإن قيل: ما علامة المعرفة؟ يقال: حياة القلب مع اللّه تعالى، أوحى اللّه تعالى إلى داود عليه السلام أتدري ما معرفتي؟ قال: لا. قال: حياة القلب في مشاهدتي.
فإن قيل: ففي أي مقام تصح المعرفة الحقيقية؟ يقال: في مقام الرؤية والمشاهدة بسر القلب، وإنما يرى ليعرف، لأن المعرفة الحقيقية في باطن الإرادة فيرفع اللّه تعالى بعض الحجب فيريهم نور ذاته تعالى وصفاته عزّ وجلّ من وراء الحجاب ليعرفوه تعالى، ولا يرفع الحجب بالكلية لكيلا يحترق الرائي. قال بعضهم بلسان الحال:
ولو أني ظهرت بلا حجاب ... ليتّمت الخلائق أجمعينا
ولكنّ الحجاب لطيف معنى ... به تحيا قلوب العاشقينا
اعلم: أن تجلي العظمة يوجب الخوف والهيبة، وتجلي الحسن والجمال يوجب العشق، وتجلي الصفات يوجب المحبة، وتجلي الذات يوجب التوحيد قال بعض العارفين: واللّه ما نال رجل الدنيا إلا أعمى اللّه قلبه وبطل عليه عمله إن اللّه تعالى خلق الدنيا مظلمة، وجعل الشمس فيها ضياء، وجعل القلوب مظلمة، وجعل المعرفة فيها ضياء، فإذا جاءه السحاب ذهب نور الشمس، فكذلك يجيء حب الدنيا فيذهب بنور المعرفة من القلب. وقيل: حقيقة المعرفة نور يطرح في قلب المؤمن وليس في الخزانة شيء أعز من المعرفة. وقال بعضهم:
إن شمس قلب العارف أضوأ وأشرق من شمس النهار، لأن شمس النهار قد تكسف وشمس القلوب لا كسوف لها وشمس النهار تغرب بالليل دون شمس القلوب، وأنشدوا في ذلك:
إنّ شمس النّهار تغرب ليلا ... غير شمس القلوب ليس تغيب
من أحبّ الحبيب طار إليه ... اشتياقا إلى لقاء الحبيب
قال ذو النون: حقيقة المعرفة اطلاع الحق على الأسرار بمواصلة لطائف الأنوار، وأنشدوا فيه:
للعارفين قلوب يعرفون بها ... نور الإله بسر السر في الحجب
صمّ عن الخلق عمي عن مناظرهم ... بكم عن النّطق في دعواه بالكذب
وسئل بعضهم: متى يعرف العبد أنه على تحقيق المعرفة؟ فقال: إذا لم يجد في قلبه مكانا لغير ربه، وقال بعضهم: حقيقة المعرفة مشاهدة الحق بلا واسطة ولا كيف ولا شبهة، كما سئل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه فقيل: يا أمير المؤمنين أتعبد من ترى أو من لا ترى؟ فقال: لا بل أعبد من أرى لا رؤية العيان، ولكن رؤية القلب. وقيل لجعفر الصادق رضي اللّه عنه: هل رأيت اللّه عزّ وجلّ؟ قال: لم أكن لأعبد ربا لم أره. قيل: وكيف رأيته وهو الذي لا تدركه الأبصار؟ قال: لم تره الأبصار بمشاهدة العيان، ولكن تراه القلوب بحقائق الإيمان، لا يدرك بالحواس ولا يقاس بالناس.
وسئل بعض العارفين عن حقيقة المعرفة. فقال: تخلية السر عن كل إرادة وترك ما عليه العادة وسكون القلب إلى اللّه تعالى بلا علاقة وترك الالتفات منه إلى ما سواه، ولا يمكن معرفة كنه ذاته ولا معرفة كنه صفاته عزّ وجلّ، ولا يعرف من هو إلا هو تبارك وتعالى والمجد للّه وحده.