فهرس الكتاب

الصفحة 138 من 153

واعلم أن اللّه تعالى لا يسلطهم عليك إلا لذنب سبق منك، واستغفر اللّه من ذنبك واعلم أن ذلك عقوبة من اللّه تعالى. وكن فيما بينهم سميعا لحقهم، أصم عن باطلهم، نطوقا بمحاسنهم، صموتا عن مساويهم واحذر مخالطة متفقهة الزمان، لا سيما المشتغلين بالخلاف والجدال، واحذر منهم، فإنهم يتربصون بك بحسدهم ريب المنون، ويقطعون عليك بالظنون، ويتغامزون وراءك بالعيون، ويحصون عليك عثراتك في عشيرتهم حتى يجبهوك بها في حال غيظهم ومناظرتهم. لا يقيلون لك عثرة، ولا يغفرون لك زلة، ولا يسترون عليك عورة. يحاسبونك على النقير والقطمير، ويحسدونك على القليل والكثير، ويحرضون عليك الإخوان بالنميمة والبلاغات والبهتان. إن رضوا فظاهرهم الملق، وإن سخطوا فباطنهم الحنق. ظاهرهم ثياب، وباطنهم ذئاب، هذا ما قطعت به المشاهدة على أكثرهم إلا من عصمه اللّه تعالى؛ فصحبتهم خسران، ومعاشرتهم خذلان.

هذا حكم من يظهر لك الصداقة، فكيف من يجاهرك بالعداوة!

قال القاضي ابن معروف رحمه اللّه تعالى:

فاحذر عدوّك مرّه ... واحذر صديقك ألف مرّه

فلربّما انقلب الصّدي ... ق فكان أعرف بالمضرّه

وكذلك قيل في المعنى:

عدوّك من صديقك مستفاد ... فلا تستكثرن من الصّحاب

فإنّ الدّاء أكثر ما تراه ... يكون من الطّعام أو الشّراب

وكن كما قال هلال بن العلاء الرقي:

لما عفوت ولم أحقد على أحد ... أرحت نفسي من همّ العداوات

إنّي أحيّي عدوّي عند رؤيته ... لأدفع الشرّ عني بالتحيات

وأظهر البشر للإنسان أبغضه ... كأنّه قد ملا قلبي مسرّات

ولست أسلم ممّن لست أعرفه ... فكيف أسلم من أهل المودّات

الناس داء دواء النّاس تركهم ... وفي الجفاء لهم قطع الأخوّات

فسالم النّاس تسلم من غوائلهم ... وكن حريصا على كسب المودات

وخالق النّاس واصبر ما بليت بهم ... أصمّ أبكم أعمى ذا تقيات

وكن أيضا كما قال بعض الحكماء: الق صديقك وعدوك بوجه الرضا من غير مذلة لهما ولا هيبة منهما، وتوقر من غير كبر، وتواضع من غير مذلة، وكن في جميع أمورك في أوسطها.

فكلا طرفي قصد الأمور ذميم. كما قيل:

عليك بأوساط الأمور فإنّها ... طريق إلى نهج الصّراط قويم

ولا تك فيها مفرّطا أو مفرطا ... فإنّ كلا حال الأمور ذميم

ولا تنظر في عطفيك، ولا تكثر الالتفات إلى ورائك، ولا تقف على الجماعات، وإذا جلست فلا تستوفز. وتحفظ من تشبيك أصابعك، والعبث بلحيتك وخاتمك، وتخليل أسنانك، وإدخال إصبعك في أنفك، وكثرة بصاقك وتنخمك وطرد الذباب عن وجهك، وكثرة التمطي والتثاؤب في وجوه الناس وفي الصلاة وغيرها.

وليكن مجلسك [[هادثا] ] وحديثك منظوما مرتبا. واصغ إلى الكلام الحسن ممن حدثك من غير إظهار تعجب مفرط، ولا تسأله إعادته. واسكت عن المضاحك والحكايات، ولا تحدث عن إعجابك بولدك وشعرك وكلامك وتصنيفك وسائر ما يخصك. ولا تتصنع تصنع المرأة في التزين، ولا تتبذل تبذل العبد.

وتوق كثر الكحل والإسراف في الدهن. ولا تلح في الحاجات، ولا تشجع أحدا على الظلم.

ولا تعلم أحدا من أهلك وولدك- فضلا عن غيرهم. مقدار مالك، فإنهم إن رأوه قليلا هنت عليهم، إن رأوه كثيرا لم تبلغ قط رضاهم. واجفهم من غير عنف، ولن لهم من غير ضعف.

ولا تهازل أمتك ولا عبدك فيسقط وقارك من قلوبهم. وإذا خاصمت فتوقر، وتحفظ من جهلك وعجلتك، وتفكر في حجتك؛ ولا تكثر الإشارة بيدك، ولا تكثر الالتفات إلى من ورائك، ولا تجث على ركبتيك؛ وإذا هدأ غضبك فتكلم. وإذا قربك السلطان فكن منه على حد السنان. وإياك وصديق العافية، فإنه أعدى الأعداء. ولا تجعل مالك أكرم من عرضك.

فهذا القدر يا فتى يكفيك من بداية الهداية، فجرب بها نفسك، فإنها ثلاثة أقسام: قسم في آداب الطاعات، وقسم في ترك المعاصي، وقسم في مخالطة الخلق. وهي جامعة لجملة معاملة العبد مع الخالق والخلق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت