{وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (81) }
(فصل)
وأما قوله عليه السلام:"أنا أوّل الأنبياء خلقا وآخرهم بعثا"، فالخلق هنا هو التقدير دون الإيجاد، فإنه قبل أن ولدته أمه لم يكن موجودا مخلوقا، ولكن الغايات والكمالات سابقة في التقدير لاحقة في الوجود، وهو معنى قولهم: أول الفكر آخر العمل. بيانه أن المهندس المقدر للدار أول ما يمثل في نفسه صورة الدار، فيحصل في تقديره دار كاملة، وآخر ما يوجد من أثر أعماله هي الدار الكاملة وهي أول الأشياء في حقّه تقديرا وآخرها وجودا، لأن ما قبلها من ضرب اللبن وبناء الحيطان وتركيب الجذوع وسيلة إلى غاية وكمال وهي الدار، ولأجلها تقدمت الآلات والأعمال، فإذا عرفت هذا فاعلم أن المقصود فطرة الآدميين إدراكهم بسعادة القرب من الحضر الإلهية، ولم يكن ذلك إلا بتعريف الأنبياء وكانت النبوة مقصودة بالإيجاد، والمقصود كمالها وغايتها لا أولها، وإنما تكمل بحسب سنة اللّه تعالى بالتدريج كما تكمل عمارة الدار بالتدريج لتمهد أصل النبوة بآدم عليه السلام، ولم يزل ينمو ويكمل حتى بلغ الكمال بمحمد عليه السلام، وكان المقصود كمال النبوة وغايتها وتمهيد أوائلها وسيلة إليها كتأسيس البنيان وتمهيد أصول الحيطان، فإنه وسيلة إلى كمال صورة الدار ولهذا السر كان خاتم النبيين فإن الزيادة على الكمال نقصان وكمال شكل الآلة الباطشة كف عليه خمس أصابع، فكما أن ذا الأصابع الأربعة ناقص فذو الأصابع الستة ناقص، لأن السادسة زيادة على الكفاية فهو نقصان في الحقيقة، وإن كانت زيادة في الصور، وإليه الإشارة بقوله عليه السلام:
مثل النبوة كمثل دار معمورة لم يبق فيها إلا موضع لبنة، فكنت أنا موضع تلك اللبنة أو لفظ هذا معناه، فإذا عرفت أن كونه خاتم النبيين ضرورة لا يتصور خلافة إذا بلغ به الغاية والكمال، والغاية أول في التقدير، آخر في الوجود.
وأما قوله عليه السلام:"كنت نبيّا وآدم بين الماء والطّين". فهو أيضا إشارة إلى ما ذكرناه، وأنه كان نبيا في التقدير قبل تمام خلقه آدم عليه السلام، لأنه لم يشأ خلق آدم إلا لينتزع الصافي من ذريته، ولا يزال يستصفي تدريجا إلى أن بلغ كمال الصفاء، فقيل الروح القدسي النبوي المحمدي ولا تفهم هذه الحقيقة إلا بأن تعلم أن للدار، مثلا وجودين وجود في ذهن المهندس ودماغه حتى كأنه ينظر إلى صورة الدار، ووجودها خارج الذهن في الأعيان. والوجود الذهني سبب الوجود الخارجي العيني فهو سابق لا محالة، فكذلك فاعلم أن اللّه تعالى يقدر أولا ثم يوجد على وفق التقدير ثانيا وإنما التقدير يرسم في اللوح المحفوظ كما يرسم تقدير المهندس أولا في اللوح أو في القرطاس، فتصير الدار موجودة بكمال صورتها نوعا من الوجود، فيكون هو سببا للوجود الحقيقي، كما أن هذه الصورة ترسم في لوح المهندس بواسطة القلم والقلم يجري على وفق العلم بل العلم مجريه، فكذلك تقدير صورة الأمور الإلهية ترسم أولا في اللوح المحفوظ، وإنما ينتقش اللوح المحفوظ من القلم والقلم يجري على وفق العلم، واللوح عبارة عن موجود قابل لنقش الصورة فيه، والقلم عبارة عن موجود منه تفيض الصور على اللوح المنتقش، فإن حد القلم هو الناقش لصور، وليس من شرطهما أن يكون قصبا أو خشبا المعلومات في اللوح، واللوح هو المنتقش بتلك الصور، بل من شرطهما أن لا يكونا جسمين فالجسمية لا تدخل في حد القلمية واللوحية هو ما ذكرنا والزائد عليه صورته لا معناه، فلا يبعد أن يكون قلم اللّه تعالى ولوحه لائقا بإصبعيه ويده، وكل ذلك على ما يليق بذاته وإلهيته فتقدس عن حقيقة الجسمية، بل جملتها جواهر روحانية.
عالية بعضها معلم كالقلم، وبعضها متعلم كاللوح، فإن اللّه تعالى علم بالقلم، فإذا فهمت نوعي الوجود فقد كان نبيا قبل آدم عليه السلام بمعنى الوجود الأول التقديري دون الوجود الثاني الحسي العيني، والحمد للّه رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وآله وصحبه أجمعين آمين.