فهرس الكتاب

الصفحة 153 من 153

{أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ(60)}

(باب في حكمة خلق النبات وما فيه من عجائب حكمة الله تعالى)

قال اللّه تعالى: {أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والْأَرْضَ وأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ} [النمل: 60] .

انظر وفقك اللّه وسددك إلى ما على وجه الأرض من النبات وما في نظره من النعم في حسن منظره وبهجته ونضارته التي لا يعد لها شيء من مناظر الأرض، ثم انظر إلى جعل البارئ فيه من ضروب المنافع والمطاعم والروائح والمآرب التي لا تحصى، وخلق فيه الحب والنوى مخلوقا لحفظ أنواع النبات، وجعل الثمار للغذاء والتفكه والإتيان منها للعلف والرعي، والحطب للوقود، والأخشاب للعمارة وإنشاء السفن ولغير ذلك من الأعمال التي يطول تعدادها، والورق والأزهار والأصول والعروق والفروع والصموغ لضروب من المصالح لا تحصى. أرأيت لو وجدت الثمار مجموعة من الأرض ولم يكن تنبت على هذه السوق الحاملة لها ما كان يحصل من الخلل في عدم الأخشاب والحطب والإتيان بالعلف وسائر المنافع، وإن وجد الغذاء بالثمرات والتفكه بها. ثم انظر ما جعل اللّه فيها من البركات حتى صارت الحبة الواحدة تخلف مائة حبة وأكثر من ذلك وأقل، والحكمة في زيادتها وبركتها حصول الاقتيات وما فضل ادخر للأمور المهمة والزراعات، وذلك في المثال كملك أراد عمارة بلدة فأعطى أهلها من البذر ما يبذرونه وفضلة يتقوتون بها إلى إدراك زرعهم، فهذه هي الحكمة التي أعم اللّه بها البلاد وأصلح بها العباد، وكذلك الشجر والنخل يزكو وتتضاعف ثمراتها حتى تكون من الحبة الواحدة الشيء العظيم ليكون فيه ما يأكله العباد ويصرفونه في مآربهم ويفضل ما يدخر ويغرس فيدوم جنسه ويؤمن انقطاعه، ولو لا نموه وبقاء ما يخلفه لكان ما أصابته جائحة ينقطع فلا يوجد ما يخلف.

تأمل في هذه الحبوب فإنها تخرج في أوعية تشبه الخرائط لتصونها وتحفظها إلى أن تشتد وتستحكم كما تخلق البشيمة على الجنين، فأما البزر وما أشبه من الحبوب، فإنه يخرج من قشور صلبة على رءوسها أمثال الأسنة ليمنع من الطير. فانظر كيف حصنت الحبوب بهذه الحصون وحجبت لئلا يتمكن الطير منها فيصيب بها، وإن كان يناله منها قوته إلا أن حاجة الآدمي أشد وأولى. تأمل الحكمة في خلق الشجر وأصناف النبات فإنها لما كانت محتاجة إلى الغذاء الدائم كحاجة الحيوانات ولم يخلق فيها حركات تنبعث بها ولا آلات توصل إليها غذاءها جعلت أصولها مركوزة في الأرض لتجذب الماء من الأرض، فتتغذى بها أصولها وما علا منها من الأغصان والأوراق والثمار، فصارت الأرض كالأم المربية لها، وصارت أصولها وعروقها كالأفواه الملتقمة لها، وكأنها ترضع لتبلغ منها الغذاء كما يرضع أصناف الحيوان من أمهاتها. ألم تر إلى عمد الخيم والفسطاط كيف يمتد بالأطناب من كل جانب ليثبت منصته فلا يسقط ولا يميل، فهكذا أمر النبات كله له عروق منتشرة في الأرض ممتدة إلى كل جانب وتمسكه وتقيمه، ولو لا ذلك لم تثبت الأشجار العالية، لا سيما في الرياح العاصفة. فانظر إلى حكمة الخالق كيف سبقت حكمة الصناعة واقتدى الناس في أعمالهم بحكمة اللّه في مصنوعاته، وتأمل خلق الورق فإنك ترى في الورقة شبه العروق مبثوثة، فمنها غلاظ ممتدة في طولها وعرضها، ومنها دقائق تتخلل تلك الغلاظ منسوجة نسجا دقيقا عجيبا، لو كان مما يصنع بأيدي البشر لما فرغ من ورق شجرة واحدة إلا في مدة طويلة، وكان يحتاج فيه إلى آلات وطول علاج. فانظر كيف يخرج منه في المدة القليلة ما يملأ السهل والجبال وبقاع الأرض بغير آلة ولا حركة إلا قدرة البارئ وإرادته وحكمه، ثم انظر تلك العروق كيف تتخلل الورق بأسره لتسقيه وتوصل إليه المادة وهي بمنزلة العروق المبثوثة في بدن الإنسان لتوصل الغذاء إلى كل عضو منه، وأما ما غلظ من العروق فإنها تمسك الورق بصلابتها وقوتها لئلا ينتهك ويتمزق.

ثم انظر إلى العجم والنوى والعلة فيه، فإنه جعل في جوف الثمرة ليقوم مقامه إذا عدم ما يغرس أو عاقه سبب، فصار ذلك كالشيء النفيس الذي يخزن في مواضع شتى لعظم الحاجة إليه، فإن حدث على الذي في بعض المواضع من حادث وجد منه في موضع آخر، ثم في صلابته يمسك رخاوة الثمار ورقتها، ولولاه لسرحت وسرح الفساد إليها قبل إدراكها، وفي بعضها حب يؤكل وينتفع بدهنه ويستعمل في مصالح. ثم انظر إلى خلق اللّه تعالى فوق النواة من الرطب وفوق العجم من العنبة والهيئة التي تخرج عليها، وما في ذلك من الطعم واللذة والاستمتاع للعباد، ثم تأمل خلق الحب والنوى وما أودع فيه من قوة وعجائب كالمودع في الماء الذي يخلق منه الحيوان وهو سر لا يعلم حقيقته إلا اللّه سبحانه وما علم من ذلك يطول شرحه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت