(فصل: في بيان معاني الأسماء الحسنى)
اعلم: أن جملة الأسماء الحسنى ترجع إلى ذات وسبع صفات على مذهب أهل السنة خلافا للمعتزلة والفلاسفة، ثم إن الاسم غير التسمية وغير المسمى وهذا هو الحق، فحد الاسم أنه اللفظ الموضوع للدلالة على المسمى.
واعلم أن كمال العبد وسعادته إنما هو في التخلق بأخلاق اللّه تعالى والتحلي بمعاني أسمائه وصفاته بقدر ما يتصور في حقه، ولا تظنن أن المشاركة بكل وصف يوجب المماثلة. هيهات ألم تعلم أن اللّه موجود لا في محل، وأن اللّه تعالى حي عالم قادر مريد سميع بصير متكلم فاعل والإنسان كذلك أيضا. أفترى أن مثبت هذه الأوصاف للإنسان يكون مشبها ممثلا. هيهات ليس الأمر كذلك، بل المماثلة عبارة عن المشاركة في النوع والماهية والخاصية الإلهية أنه الموجود الواجب الوجود بذاته الذي بقدرته يوجد كل ما في الإمكان وجوده على أحسن وجوه النظام والكمال، وهذه الخاصية لا يتصور فيها مشاركة ولا مماثلة ألبتة بل لا يعرفها حقيقة إلا اللّه تعالى وتقدس، فالخلق كلهم لم يعرفوا إلا احتياج هذا العالم المنظوم المحكم إلى صانع حي عالم قادر، وهذه المعرفة لها طريقان:
أحدهما: يتعلق بالعلم ومعلومه يحتاج إلى مدبر. والآخر: يتعلق بالله تعالى ومعلومه أسام مشتقة من صفات غير داخلة في حقيقة الذات وماهيتها، فإن قلنا حي عالم قادر معناه شيء مبهم له وصف الحياة والقدرة فما عرف أحد إلا نفسه أولا ثم قايس بين صفات اللّه تعالى وبين صفات نفسه وتتعالى صفات اللّه تعالى عن أن تشبه صفاتنا، فإذا يستحيل أن يعرف اللّه تعالى بالحقيقة غير اللّه تعالى، بل يستحيل أن يعرف النبوة غير النبي.
وأما من ليس بنبي فلا يعرف من النبوة إلا اسمها.
فإن قيل: فما نهاية معرفة العارفين بالله تعالى؟ فنقول: نهاية معرفتهم هو أن ينكشف لهم استحالة معرفة حقيقة ذات اللّه تعالى لغير اللّه تعالى وإنما اتساع معرفة العارفين بالله تعالى إنما تكون في معرفة أسمائه وصفاته فبقدر ما ينكشف لهم من معلوماته وعجائب مقدوراته وبدائع آياته في الدنيا والآخرة يكون تفاوتهم في معرفته سبحانه وتعالى واللّه أعلم.
(فصل)
اعلم: أن جملة معاني أسماء اللّه تعالى الحسنى ترجع إلى عشرة أقسام:
الأول: ما يدل على الذات فقط. كقولك: اللّه ويقرب منه اسم الحق تعالى إذا أريد به الذات من حيث هي واجبة الوجود.
الثاني: ما يرجع إلى الذات مع سلب مثل القدوس والسلام والغني والأحد ونظائرها، فإن القدوس هو المسلوب عنه كل ما يخطر بالبال ويدخل في الوهم، والسلام هو المسلوب عنه كل عيب ونقص، والغني هو المسلوب عنه كل حاجة، والأحد هو المسلوب عنه النظير والقسمة.
الثالث: ما يرجع إلى الذات مع إضافة كالعلي والعظيم. والأول والآخر، والظاهر والباطن ونظائرها. فإن العلي هو الذات الذي هو فوق سائر الذوات في الرتبة فهي إضافة، والعظيم ما يدل على الذات من حيث تجاوز حدود الإدراكات، والأول هو السابق على الموجودات، والآخر: هو الذي إليه مصير الموجودات، والظاهر: هو الذات بالإضافة إلى دليل العقل، والباطن هو الذات بالإضافة إلى إدراك الحس والوهم.
الرابع: ما يرجع إلى الذات مع سلب وإضافة كالملك والعزيز، فإن الملك هو الذات التي لا تحتاج إلى شيء ويحتاج إليها كل شيء. والعزيز هو الذي لا نظير له وهو ما تشتد الحاجة إليه ويصعب نيله والوصول إليه.
الخامس: ما يرجع إلى الذات مع صفة ثبوته كالحي والعالم والقادر والمريد والسميع والبصير والمتكلم.
السادس: ما يرجع إلى العلم مع إضافة كالحكيم والخبير والشهيد والمحصي. فإن الحكيم يدل على العلم مضافا إلى أشرف المعلومات، والخبير يدل على العلم مضافا إلى الأمور الباطنة، والشهيد يدل على العالم مضافا إلى ما يشاهد والمحصي يدل على العلم الذي يحيط بمعلومات محصورات معدودة التفصيل.
السابع: ما يرجع إلى القدرة مع زيادة إضافة كالقوي والمتين والقهار فإن القوة هي تمام القدرة، والمتانة شدتها، والقهر تأثيرها في المقدورة بالغلبة.
الثامن: ما يرجع إلى الإرادة مع فعل وإضافة كالرحمن والرحيم والرؤوف والودود. فإن الرحمة ترجع إلى الإرادة مضافة إلى قضاء حاجة المحتاج الضعيف، والرأفة شدة الرحمة وهي المبالغة في الرحمة، والودود يرجع إلى الإرادة مضافا إلى الإحسان والإنعام وفعل الرحمة يستدعي محتاجا وفعل الود لا يستدعي ذلك بالإنعام على سبيل الابتداء.
التاسع: ما يرجع إلى الذات مع صفة إضافية كالخالق والبارئ والمصور والوهاب والرزاق والفتاح والباسط والقابض والخافض والرافع والمعز والمذل والعدل والمقيت والمغيث والمجيب والواسع والباحث والمبدي والمعيد والمحيي والمميت والمقدم والمؤخر والولي والبر والتواب
والمنتقم والمقسط والجامع والمعطي والمانع والمغني والهادي ونظائرها.
العاشر: ما يرجع إلى الدلالة على الفعل مع إضافة كالمجيد والكريم واللطيف. فإن المجيد يدل على سعة الإكرام مع شرف الذات. والكريم كذلك، واللطيف يدل على الفعل مع الرفق، ولا تخرج هذه الأسامي وغيرها عن مجموع هذه الأقسام العشرة. فقس بما أوردناه على ما لم نورده وذلك يدل على وجه خروج هذه الأسامي عن الترادف مع رجوعها إلى هذه الصفات المشهورة والمحصورة واللّه تعالى أعلم.
اعلم: أن معاني أسماء اللّه الحسنى مندرجة في أربع كلمات وهن الباقيات الصالحات (سبحان اللّه والحمد للّه ولا إله إلّا اللّه واللّه أكبر) .
الكلمة الأولى: سبحان اللّه ومعناها في كلام العرب التنزيه والسلب فهي مشتملة على سلب النقص والعيب عن ذات اللّه تعالى وصفاته فما كان من أسمائه سلبا فهو مندرج تحت هذه الكلمة كالقدوس وهو الطاهر من كل عيب، والسلام هو الذي سلم من كل آفة.
الكلمة الثانية: قول الحمد للّه وهي مشتملة على إثبات ضروب الكمال لذاته وصفاته سبحانه وتعالى، فما كان من أسمائه متضمنا الإثبات كالعليم والقدير والسميع والبصير فهو مندرج تحتها فنفينا بسبحان اللّه كل عيب عقلناه وكل نقص فهمناه، وأثبتنا بالحمد للّه كل كمال عرفناه وكل جلال أدركناه وراء ما نفيناه وأثبتناه شأن عظيم قد غاب عنا وجهلناه فنحققه من جهة الإجمال بقولنا اللّه أكبر.
وهي الكلمة الثالثة ومعناها: إنه أجل مما نفيناه ومما أثبتناه وذلك معنى قوله عليه الصّلاة والسّلام: «لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك» ، فما كان من أسمائه متضمنا فوق ما عرفناه وأدركناه كالأعلى والمتعالي فهو مندرج تحت قولنا: اللّه أكبر في الوجود من هذا شأنه نفينا أن يكون في الموجودين من يشاكله أو يناظره فحققنا ذلك بقولنا: لا إله إلا اللّه.
وهي الكلمة الرابعة: إذ الألوهية ترجع إلى استحقاق العبودية ولا يستحق العبودية إلا من اتصف بجميع ما ذكرناه، فما كان من أسمائه متضمنا للجميع على الإجمال كالواحد الأحد وذي الجلال والإكرام فهو مندرج تحت قولنا لا إله إلا اللّه. وإنما استحق العبودية لما وجب له من أوصاف الجمال ونعوت الكمال التي لا يصفها الواصفون ولا يعدها العادون ولو أدرجت الباقيات الصالحات في كلمة على سبيل الإجمال وهي: الحمد للّه لاندرجت فيها كما قال السيد الجليل والإمام الحفيل علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه: لو شئت أن أوقر بعيرا من قول الحمد للّه لفعلت. فإن الحمد للّه هو الثناء والثناء يكون بإثبات الكمال تارة وسلب النقص أخرى، وتارة بالاعتراف بالعجز عن إدراك الإدراك وتارة بإثبات التفرد بالكمال والتفرد والكمال من أعلى مراتب المدح والكمال. وقد اشتملت هذه الكلمة على ما ذكرناه في الباقيات الصالحات لأن الألف
واللام فيها لاستغراق جنس المدح والحمد ما علمناه وجهلناه ولا خروج للمدح عن شيء مما ذكرناه. ولا يستحق الإلهية إلا من اتصف بجميع ما ذكرناه، ولا يخرج عن هذا الاعتقاد ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا أحد من أهل الملك إلا من خذله اللّه واتبع هواه وكان أمره فرطا وعصى مولاه أولئك قوم قد غمرهم ذل الحجاب وطردوا عن الباب وأبعدوا عن ذلك الجناب، وحق لمن حجب في الدنيا عن إجلاله ومعرفته أن يحجب في الآخرة عن إكرامه ورؤيته.