(فصل في بيان جنود القلب)
اعلم: أن اللّه تعالى في القلب والأرواح وغيرها من العوالم جنودا مجندة لا يعلم حقيقتها وتفصيل عددها إلا اللّه تعالى. ونحن الآن نشير إلى بعض جنود القلب وهو الذي يتعلق بغرضنا. فاعلم أن له جندين جند يرى بالإبصار وجند لا يرى إلا بالبصائر، فالقلب في حكم الملك، والجنود في حكم الخدم والأعوان.
فأما جنوده المشاهدة بالبصر فهي اليد والرجل والأذن والعين واللسان فجملة جنود القلب تحصره ثلاثة أصناف:
الصنف الأول: باعث مستحث إلى جلب الموافق النافع كالشهورة وإما إلى دفع المخالف الضار كالغضب وقد يعبر عن هذا الباعث بالإرادة.
الصنف الثاني: هو المحرك للأعضاء إلى تحصيل هذه المقاصد وقد يعبر عنه بالقدرة وهي جنود مبثوثة في سائر الأعضاء.
الصنف الثالث: هو المدرك المعرف بهذه الأشياء كالجواسيس وهو قوة السمع والبصر والشم والذوق واللمس وهي مبثوثة في الأعضاء الظاهرة المركبة من اللحم والشحم والعصب والدم والعظم التي أعدت آلات لهذه الجنود. ويعبر عن عمل هذا الصنف بالعلم والإدراك، وهذا الصنف الثالث هو المدرك من هذه الجملة، وينقسم إلى ما أسكن المنازل الظاهرة وهي الحواس الخمس. أعني السمع والبصر والشم والذوق واللمس، وإلى ما أسكن منازل باطنة وهي تجاويف الدماغ وهي أيضا خمسة: حس مشترك وتخيل وتفكر وتذكر وحفظ.
فأما الحس المشترك فيرتسم فيها صورة ما أدته اليها الحواس الظاهرة مما أدركته كما ترسم الصورة في المرآة ومحل تصرفها مقدم البطن الأول من الدماغ.
القوة الثانية: الخيال وهي خزانة الحس المشترك يخزن فيها ما ارتسم فيه لتحفظها له إلى وقت حاجته اليه، فإن له قوة القبول وليس له قوة الحفظ والخيال له قوة الحفظ وليس له قوة القبول ومحل تصرف الخيال مؤخر البطن من الدماغ.
القوة الثالثة: الوهم موضع تصرفه مقدم البطن المؤخر من الدماغ، لأن تصرفه هو المعاني الجزئية المتنوعة من الصور المخزونة في الخيال فكانت بعدها في الرتبة لتقليبها منه.
القوة الرابعة: الحافظة ومحل تصرفها مؤخر البطن المؤخر من الدماغ يلي محل تصرف الوهم لأنها خزانته.
القوة الخامسة: المتصرفة ومحل تصرفها في وسط الدماغ، لأنها أشرف القوى ولأنها تأخذ من الخيال في حال دون حال وتعطيه أيضا في حال دون حال في النوم واليقظة، وتعطي الحافظة وتطلب منها عند النسيان فكان الأليق بها أن تكون بين الحرارتين ليسهل عليها أخذها منهما وإعطاؤها إياهما واللّه أعلم.
وإنما افتقر القلب إلى هذه الجنود من حيث افتقاره إلى المركب والزاد لسفره إلى اللّه تعالى وقطع المنازل إلى لقائه الذي لأجله خلق وإنما مركبه البدن، وإنما زاده العلم والعمل وليس يمكن أن يصل العبد إلى اللّه تعالى ما لم يسكن البدن وتجاوز الدنيا ليتزود منها للمنزل الأقصى فافتقر إلى تعهد بدنه بأن يجلب إليه ما يوافقه من الغذاء وغيره وأن يدفع عنه ما يؤذيه، ويمكن منه أسباب الهلاك فافتقر لأجل الغذاء إلى جندين: باطن وهو الشهوة، وظاهر وهو الأعضاء الحالبة للغذاء فخلق في القلب من الشهوات ما احتاج اليه وخلقت الأعضاء التي هي آلات الشهوة وافتقر لأجل دفع المهلكات إلى جندين: باطن، وهو الغضب، الذي يدفع المهلكات وينتقم من الأعداء، وظاهر وهي اليد والرجل والأسلحة التي بها تعمل بمقتضى الغضب ثم المحتاج إلى الغذاء إذا لم يعرف الغذاء، لا تنفعه شهوة معرفة الغذاء وآلته فافتقر في المعرفة إلى جندين باطن: وهو إدراك السمع والبصر والشم والذوق واللمس، وظاهر: وهو العين والأذن والأنف وغيرها وتفصيل الحاجة إليها ووجه الحكمة فيها يطول ولا تحويه مجلدات كثيرة، فسبحان الكريم الحليم.