فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 153

{وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ(38)}

(باب في حكمة خلق النحل والنمل والعنكبوت ودود القز والذباب وغير ذلك)

قال اللّه سبحانه وتعالى: {وما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} [الأنعام: 38] .

انظر إلى النمل وما ألهمت له في احتشادها في جمع قوتها وتعاونهم على ذلك وإعداده لوقت عجزها عن الخروج والتصرف بسبب حر أو برد، وألهمت في تقلب ذلك من الحزم ما لم يكن عند من يعرف العواقب حتى تراها في ذلك إذا عجز بعضها عن حمل ما حمله أو جهد به أعانه آخر فيه، فصارت متعاونة على النقل كما يتعاون الناس على العمل الذي لا يتم إلا بالتعاون، ثم إنها ألهمت حفر بيوت في الأرض تبتدئ في ذلك بإخراج ترابها وتقصد إلى الحب الذي منه قوتها فتقسمه خشية أن ينبت بنداوة الأرض فمن خلق هذا في جبلتها إلا الرحمن الرحيم، ثم إذا أصاب الحب بلل أخرجته فنشرته حتى يجف، ثم إنها لا تتخذ البيوت إلا فيما علا من الأرض خوفا من السيل أن يغرقها.

ثم انظر إلى النحل وما ألهمت إليه من العجائب والحكم، فإن الباري سبحانه جعل لها رئيسا تتبعه وتهتدي به فيما تناله من أقواتها، فإن ظهر مع الرئيس الذي تتبعه رئيس آخر من جنسه قتل أحدهما الآخر.

وذلك لمصلحة ظاهرة وهو خوف الافتراق، لأنهما إذا كانا أميرين وسلك كل واحد منهما فجا افترق النحل خلفهما، ثم إنها ألهمت أن ترعى رطوبات من على الأزهار فيستحيل في أجوافها عسلا، فعلم من هذا التسخير ما فيه من مصالح العباد من شراب فبه شفاء للناس كما أخبر سبحانه وتعالى، وفيه غذاء وملاذ للعباد، وفيه من أقوات فضلات عظيمة جعلت لمنافع بني آدم. فهي مثل ما يفضل من اللبن الذي خلق لمصالح أولاد البهائم وأقواتها وما فضل من ذلك، ففيه من البركة والكثرة ما ينتفع به الناس، ثم انظر ما تحمله النحل من الشمع في أرجلها لتوعي فيه العسل وتحفظه، فلا تكاد تجد وعاء أحفظ للعسل من الشمع في الأجناح. فانظر في هذه الذبابة: هل في عملها وقدرتها جمع الشمع مع العسل أو عندها من المعرفة بحيث رتبت حفظ العسل مدة طويلة باستقراره في الشمع وصيانته في الجبال والشجر في المواضع التي تحفظه ولا يفسد فيها، ثم انظر لخروجها نهارا لرعيها ورجوعها عشية إلى أماكنها، وقد حملت ما يقوم بقوتها ويفضل عنها، ولها في ترتيب بيوتها من الحكمة في بنائها حافظ لما تلقيه من أجوافها من العسل، ولها جهة أخرى تجعل فيها برازها مباعدا عن مواضع العسل، وفيها غير هذا مما انفرد اللّه بعلمه.

انظر إلى العنكبوت وما خلق فيها من الحكمة، فإن اللّه خلق في جسدها رطوبة تنسج منها بيتا لتسكنه وشركا لصيدها فهو مخلوق من جسدها، وجعل اللّه غذاءها من أقواتها ينصرف إلى تقويم جسدها، وإلى خلق تلك الرطوبة المذكورة فتنصبه أبدا مثل الشرك وفي ركن الشرك بيتها وتكون سعة بيتها بحيث يغيب شخصها، وللشرك من خيوط رقاق تلتف على أرجل الذباب والناموس وما أشبه ذلك، فإذا أحست أن شيئا من ذلك وقع في شركها خرجت إليه بسرعة وأخذته محتاطة عليه ورجعت إلى بيتها فتقتات بما يتيسر لها من رطوبة تلك الحيوانات، وإن كانت مستغنية في ذلك الوقت شكلته وتركته إلى وقت حاجتها. فانظر ما جعل اللّه فيها من الأسباب لحصول قوتها، فبلغت في ذلك ما يبلغه الإنسان بالفكرة والحيلة، كل ذلك لإصلاحها ولنيل قوتها ولتعلم أن اللّه هو المدبر لهذا.

ثم انظر من العجائب دود القز، وما خلق فيه من الأشياء التي يتحير منها وتذكر اللّه عند رؤيتها، فإن هذا الدود خلق لمجرد مصلحة الإنسان ومنافعه، فإن هذا الحيوان الذي يخلق من جسمه الحرير، وذلك أن صورة البزر تحضن حتى إذا حمي عاد دودا كالذر فيوضع هذا الدود على ورق التوت فيتغذى منه، فلا يزال يرعى منه حتى يحفر جسمه فينبعث إلى غزل نفسه جوزة الحرير، فلا يزال كذلك حتى يفنى جسمه وتعود جوزة الحرير ويصير هو جسما ميتا لا حياة فيه، ثم انظر فإن الباري سبحانه لما أراد حفظ هذا الجنس ببقاء نسله فعند ما ينتهي من غزل الحرير ويعفى ذلك الجسم يقلبه اللّه إلى صورة طائر صغير قريب من صورة النحل فيجمع على بساط أو غيره وهو في رأي العين جنس واحد لا يتميز منه الذكر من الأنثى، فيعلو الذكر منه على ظهر الأنثى ويقيم لحظة على ظهرها فتحبل لوقتها مثل ذلك البزر الذي حضن أولا، ثم يطير فيذهب فلا يبقى بها انتفاع إذ قد حصل منها المقصود وهو ذلك البزر. فانظر من ألهمها الرعي من ذلك الورق حتى يرتب منه. ومن ألهمها إلى غزل أجسادها حريرا حتى تفنى فيما غزلته، ومن ربى لها أجنحة وقلب صورتها حتى صارت على هيئة تمكن فيها اجتماع الذكر والأنثى لتناسلها، ولو بقيت على صورتها الأولى لم يأت منها تناسل ولا هذا الاجتماع، ثم انظر ما يسره الباري سبحانه من عمل ما غزلته هذه الدودة على من يعمله من بني آدم حتى يكون منه أموال كثيرة وملابس عظيمة وزينة. وانظر هذا التسخير العجيب في هذا الحيوان اللطيف وما أظهر فيه سبحانه من بديع الصنع وعجيب الفعل وعظيم الاعتبار، وما جعل فيه من البرهان والآيات على بعث الأموات وإعادة العظام الرفات سبحانه لا إله إلا هو العلي العظيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت