فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 153

ثم انظر الذبابة وما أعينت به في نيل قوتها، فإنها خلقت بأجنحة تسرع بها إلى موضع تنال فيه فوتها وتهرب بها عما يهلكها ويضر بها وخلق لها ستة أرجل تعتمد على أربع وتفضل اثنتين، فإن أصابها عثار مسحته بالرجلين اللذين تليهما، وذلك لرقة أجنحتها، ولأن عينيها لم يخلق لهما الهداب، لأنهما بارزتان عن رأسها، وجعل هذا الحيوان وما جرى مجراه مما يتعلق ببني آدم ويقع عليهم دائما وينغص عليه عيشهم ليعرفهم الباري سبحانه هوان الدنيا حتى تصغر عندهم ويهون أمر فراقها وهو وجه من وجوه الحكمة عليهم.

تأمل كثيرا من الحيوان الصغير عند ما تلمسه يعود كأنه جماد لا حراك به، ويبقى على ذلك ساعة، ثم يتحرك ويمشي، وهل ذلك إلا لأن ما يصطاد إذا دلت هيئته على عدم حياته، فإذا كان شبيها بالجماد ترك كما تترك سائر الحجارة. تأمل العقاب عند ما يصطاد السلحفاة يجدها كأنها حجر، ولا يجد فيها موضعا لأكله، فيصعد بها في مخالبه حتى إذا أبعد من الأرض اعتدل بها على جبل أو حجارة وأرسلها فتهشمها الوقعة فيسقط عليها فيأكلها. فانظر كيف ألهم الطريق في نيل قوته من غير عقل ولا روية.

انظر إلى الغراب لما كان مكروها خلق في طبعه الحذر لصيانة نفسه حتى كأنه يعلم الغيب فيمن يقصده، وألهم الاحتيال في إخفاء عشه لصون فراخه وقل احتفاله بالأنثى خشية أن تشغله عن شدة حذره، ولذلك قل أن يرى مجتمعا مع أنثى، فهذا أبدا دأبه وحاله مع من له عقل وفطنة وتراه مع البهائم على خلاف ذلك فيقف على ظهورها ويأكل من دم البعير، ومن أرواث الدواب وقت تبرزها، وإذا وجد شيئا من قوته وأكل منه وشبع دفن باقيه حتى يعاوده وقتا آخر، فما خلق هذا في طبعه ودبره بهذا التدبير العجيب إلا اللّه، لأنه لا عقل له ولا روية.

انظر إلى الحدأة لما كانت مكروهة حفظت نفسها بقوة طيرانها وتعاليها وحفظت في أمر قوتها بقوة بصرها، فإنها ترى ما تقتات به في الأرض مع علوها في الجو فتنحط نحوه بسرعة، وألهمت معرفة من هو مقبل، ومن هو مدبر فتخطف ما تخطفه من الناس من ورائهم. ولا تخطف مما يستقبلها لئلا يمنعها المستقبل بيديه، وأعينت لما كان غذاؤها من هذه الوجوه بأن جعلت لها مخالب كأنها السنانير لا يكاد يسقط منها ما ترفعه، فسبحان المدبر الحكيم.

انظر إلى الحيوان المسمى حرباء وما فيه من التدبير، فإنه خلق بطيئا في نهضته، وكان لا بدّ له من قوته، فخلق على صورة عجيبة، فخلقت عيناه تدور لكل جهة من غير حركة في جسده ولا قصد إليه ويبقى جامدا كأنه ليس من الحيوان، ثم أعطي مع السكون وهو أنه يتشكل في لون الشجر التي يكون عليها حتى يكاد يختلط لونه بلونها، ثم إذا قرب منه ما يصطاده من ذباب أو غيره أخرج لسانه فيخطف ذلك بسرعة خفوق البرق، ثم يعود على حالته كأنه جزء من الشجرة، وجعل اللّه لسانه بخلاف المعتاد ليلحق به ما بعد عنه بثلاثة أشبار أو نحوه، فقد سخر له ما يصطاد به على هذه المسافة، وإذا رأى ما يريعه ويخيفه شكل على هيئة وشكل ينفرد منه من يصطاد من الحيوان ويكرهه. فانظر هذه الأشياء التي خلقت فيه لأجل قلة نهضته فأعين بها.

انظر إلى الحيوان الذي يسمى سبع الذباب وما أعطي من الحيلة والرفق فيما يقتات به، فإنك تجده يحس بالذباب قد وقع قريبا منه فيركد مليا حتى كأنه ميت أو جماد لا حراك به،

فإذا أحس أن الذباب قد اطمأن دب منه دبيبا دقيقا حتى لا ينفره حتى إذا صار قريبا منه بحيث يناله بوثبة وثب عليه فأخذه، فإذا أخذه اشتمل عليه بجسده كله خشية أن يتخلص منه الذباب فلا يزال قابضا عليه حتى يحس ببطلان حركته فيقبل عليه فيتغذى منه بما يلائمه فانظر إلى هذه الحيلة من فعله أو هي مخلوقة من أجل رزقه فسبحانه البارئ الحكيم.

انظر إلى الذر والبعوض الذي أوهن اللّه قوتها وأصغر قدرها وضرب بها المثل في كتابه، هل تجد فيه نقصا عما فيه صلاحها من جناح تطير به ورجل تعتمد عليها وبصر تقصد به موضعا تنال فيه قوتها وآلة لهضم غذائها وإخراج فضلته. وانظر هل يمكن أن يعيش من غير قوت وهل يمكن أن يكون القوت في غير محل واحد، وإخراجه فضلته من غير منفذ، ثم انظر كيف دبرها العزيز الحكيم، فسواها وقدر أعضاءها واستودعها العلم والمعرفة بمنافعها ومضارها، وكله دليل على علمه وقدرته وحكمته البالغة، فهي بعوضة صغرت في النظر، ومع هذا فلو أن أهل السماوات والأرض من الملائكة، فمن دونهم من العالمين وسائر الخلق أجمعين أرادوا أن يعرفوا كيف قسم الخالق سبحانه أجزاءها وحسن اعتدال صورتها في أعضائها لما قدروا على ذلك إلا تظاهرا لمنظر العجز منهم على عدم علم حقيقة الخبر، ولو اجتمعوا ثم تفكروا كيف ركبت معرفتها حتى عرفت أن ما بين الجلد واللحم دما وهو الذي منه غذاؤها، ولو لا معرفتها به لم تدم على مصه تطعمه وكيف همتها التي قصدت بها أن تطير إلى الموضع الذي ألهمها ربها أن فيه غذاءها، وكيف خرق سمعها، وكيف سمعت حس من يقصدها وكيف عرفت أن نجاتها في الفرار إذا ولت هاربة ممن قصدها فلن يدرك ذلك منها الخلائق أجمعون، ولو جزّءوها، ما ازدادوا في أمرها إلا عمى وبعدا عن المعرفة، فهذه الحكمة والقدرة في بعوضة فما ظنك بجميع مخلوقاته سبحانه وتعالى علوا كبيرا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت