فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 153

{قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ(27)}

(فصل)

اعلم: أن خيرات الدنيا والآخرة قد جمعت تحت خصلة واحدة وهي التقوى، وتأمل ما في القرآن من ذكرها كم علق بها من خير وكم وعد عليها من ثواب وكم أضاف إليها من سعادة. ثم اعلم أن الذي يختص به هذا الشأن من أمر العبادة ثلاثة أصول:

الأول: التوفيق والتأييد أولا حتى تعمل وهو للمتقين، كما قال اللّه تعالى: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا} .

والثاني: إصلاح العمل وإتمام التقصير حتى يتم وهو للمتقين، كما قال اللّه تعالى: {يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ} [الأحزاب: 71] .

والثالث: قبول العمل إذا تم وهو للمتقين، كما قال اللّه تعالى: {إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة: 27] . ومدار العبادة على هذه الأصول الثلاثة التوفيق والإصلاح والقبول.

وقد وعد اللّه تعالى ذلك كله على التقوى وأكرم به المتقي سأل أو لم يسأل فالتقوى هي الغاية

التي لا متجاوز عنها ولا مقصد دونها.

ثم اعلم أن حد التقوى في قول شيوخنا: هو تنزيه القلب عن ذنب لم يسبق عنك مثله حتى يجعل العبد من قوة العزم على تركها ووقاية بينه وبين المعاصي. فإذا وطن قلبه على ذلك فحينئذ يوصف بأنه متق، ويقال لذلك التوبة والعزم تقوى.

ثم اعلم أن منازل التقوى ثلاثة: تقوى عن الشرك، وتقوى عن البدع، وتقوى عن المعاصي الفرعية، ثم الشرور ضربان أصلي وهو ما نهي عنه تأديبا كالمعاصي المحضة، وشيء غير أصلي وهو ما نهي عنه تأديبا وهي فضول الحلال كالمباحات المأخوذة بالشهوات. فالأولى:

تقوى فرض يلزم بتركها العذاب. والثانية: تقوى خير وأدب يلزم بتركها الحبس والحساب واللوم. فمن أتى بالأولى فهو في الدرجة الأولى من التقوى وتلك منزلة مستقيم الطاعة، ومن أتى بالثانية: فهو في الدرجة العليا من التقوى فإذا جمع العبد بين اجتناب كل معصية وفضول، فقد استكمل معنى التقوى وهو الورع الكامل الذي هو ملاك أمر الدين.

وأما الذي لا بدّ منه هاهنا فهو مراعاة الأعضاء الخمسة فإنهن الأصول وهي: العين والأذن واللسان والبطن والقلب.

فليحرص عليها بالصيانة لها عن كل ما يخاف منه ضررا من حرام وفضول وإسراف من حلال، فإذا حصلت صيانة هذه الأعضاء فترجو أن تكفي سائر أركانه وتكون قد قمت بحق التقوى بجميع بدنك للّه تعالى.

واعلم أن علماء الآخرة رضي اللّه عنهم أجمعين قد ذكروا فيما يحتاج إليه العبد من هذا الأمر سبعين خصلة محمودة في أضدادها المذمومة، ثم من الأفعال والمساعي الواجبة المحظورة نحو ذلك فنظرنا في الأصول التي لا بدّ من ذكرها في علاج القلب، ولا غنية عنها ألبتة في شأن العبادة فرأينا أربعة أمور وهي آفات المجتهدين وفتن القلوب تعوق وتشين وتفسد، وأربعة في مقابلتها فيها قوام العباد وانتظام العبادة وإصلاح القلوب.

والآفات الأربع الأول: الأمل والاستعجال والحسد والكبر. والمناقب الأربع: قصر الأمل والتأني في الأمور والنصيحة للخلق والتواضع والخشوع. فهذه هي الأصول في علاج القلوب وفسادها، فابذل المجهود في التحرز من هذه الآفات والتحصيل لهذه المناقب تكفي المؤنة وتظفر بالمقصود إن شاء اللّه تعالى.

فأما طول الأمل: فإنه العائق عن كل خير، وطاعة الجالب لكل شر وفتنة الذي يوقع الخلق في جميع البليات.

واعلم أنه إذا طال أملك هاج لك منه أربعة أشياء:

الأول: ترك الطاعة والكسل تقول: سوف أفعل.

والثاني: ترك التوبة وتسويفها تقول: سوف أتوب.

والثالث: يجرك إلى الرغبة في الدنيا والحرص عليها تقول: أي شيء آكل وألبس فتهتم لها

وأقل ما في الباب أنه يشغل قلبك ويضيع عليك وقتك ويكثر عليك همك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت