المثال الثاني: قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم:"عرضت علي الجنّة في عرض هذا الحائط"، من قام عنده البرهان على أن الأجسام لا تتداخل، وأن الصغير لا يسع الكبير حمل ذلك على أن نفس الجنة لم تنتقل إلى الحائط، لكن تمثل للحس صورتها في الحائط حتى كأنه يشاهدها ولا يمتنع أن يشاهد مثال شيء كبير في جرم صغير، كما نشاهد السماء في مرآة صغيرة ويكون ذلك إبصارا مفارقا لمجرد تخيل صورة الجنة إذ تدرك التفرقة بين أن ترى صورة السماء في المرآة وبين أن تغمض عينيك فتدرك صورة السماء في المرآة على سبيل التخيل.
وأما الوجود الخيالي: فمثاله قوله صلى اللّه عليه وسلم:"كأنّي أنظر إلى يونس بن متّى عليه عباءتان قطوانيّتان يلبّي وتجيبه الجبال واللّه تعالى يقول له: لبّيك يا يونس"، والظاهر أن هذا إنباء عن تمثيل الصورة في خياله إذ كان وجود هذه الحالة سابقا على وجود رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وقد انعدم ذلك فلم يكن موجودا في الحال، ولا يبعد أن يقال أيضا، تمثل هذا في حسه حتى صار يشاهده كما يشاهد النائم الصور، ولكن قوله: كأني أنظر، يشعر بأنه لم يكن حقيقة النظر بل كالنظر، والغرض التفهيم بالمثال لا عين هذه الصورة وعلى الجملة فكل ما يتمثل في محل الخيال فيصور أن يتمثل في محل الإبصار فيكون ذلك مشاهدة وقل ما يتميز بالبرهان استحالة المشاهدة فيما يتصور فيه التخيل.
وأما الوجود العقلي فأمثلته كثيرة، فاقنع منها بمثالين:
أحدهما: قوله صلى اللّه عليه وسلم:"آخر من يخرج من النّار يعطى من الجنّة عشرة أمثال هذه الدّنيا"، فإن ظاهر هذا يشير إلى أنه عشرة أمثالها بالطول والعرض والمساحة وهو التفاوت الحسّي والخيال، ثم قد يتعجب فيقول: إن الجنة في السماء كما دلّت عليه ظواهر الأخبار، فكيف تتسع السماء لعشرة أمثال الدنيا والسماء أيضا من الدنيات، وقد يقطع المتأول هذا التعجب فيقول المراد به تفاوت معنوي عقلي لا حسّي ولا خيالي، كما يقال مثلا هذه الجوهرة أضعاف الفرس أي في روح المالية، ومعناها المدرك دون مساحتها المدركة بالحس والتخيل.