فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 153

المثال الثاني: قوله صلى اللّه عليه وسلم:"إنّ اللّه تعالى خمّر طينة آدم بيده أربعين صباحا"، فقد أثبت للّه تعالى يدا ومن قام عنده البرهان على استحالة يد اللّه تعالى هي جارحة محسوسة أو متخيلة، فإنه يثبت للّه سبحانه يدا روحانية عقلية. أعني أنه يثبت معنى اليد وحقيقتها وروحها دون صورتها. إن روح اليد ومعناها ما به يبطش ويفعل ويعطي ويمنع، واللّه تعالى يعطي ويمنع بواسطة ملائكته، كما قال عليه الصلاة والسلام:"أوّل ما خلق اللّه العقل فقال بك أعطي وبك أمنع"، ولا يمكن أن يكون المراد بذلك العقل عرضا كما يعتقده المتكلمون إذ لا يمكن أن يكون العرض أول مخلوق بل يكون عبارة عن ذات ملك من الملائكة يسمى عقلا من حيث يعقل الأشياء بجوهره وذاته من غير حاجة إلى تعليم، وربما يسمى قلما باعتبار أنه تنقش به حقائق العلوم في ألواح قلوب الأنبياء والأولياء وسائر الملائكة وحيا وإلهاما فإنه قد ورد في حديث آخر:"إنّ أوّل ما خلق اللّه تعالى القلم". فإن لم يرجع ذلك إلى العقل تناقص الحديثان، ويجوز أن يكون لشيء واحد أسماء كثيرة باعتبارات مختلفة فيسمى عقلا باعتبار ذاته وملكا باعتبار نسبته إلى اللّه تعالى في كونه واسطة بينه وبين الخلق، وقلما باعتبار إضافته إلى ما يصدر منه من نقش العلوم بالإلهام والوحي، كما يسمى جبريل روحا باعتبار ذاته وأمينا باعتبار ما أودع من الأسرار، وذا مرة باعتبار قدرته، وشديد القوى باعتبار كمال قوته، ومكينا عند ذي العرش باعتبار قرب منزلته، ومطاعا باعتبار كونه متبوعا في حق بعض الملائكة، وهذا القائل يكون قد أثبت قلما ويدا عقليا لا حسيا وخياليا وكذلك من ذهب إلى أن اليد عبارة عن صفة للّه تعالى إما القدرة أو غيرها كما اختلف فيه المتكلمون.

وأما الوجود الشبهي: فمثاله الغضب والشوق والفرح والصبر وغير ذلك مما ورد في حقّ اللّه تعالى، فإن الغضب مثلا حقيقته أنه غليان دم القلب لإرادة التشفي وهذا لا ينفك عن نقصان وألم، فمن قام عنده البرهان على استحالة ثبوت نفس الغضب للّه تعالى ثبوتا ذاتيا وحسيا وخياليا وعقليا نزله على ثبوت صفة أخرى يصدر منها ما يصدر من الغضب كإرادة العقاب، والإرادة لا تناسب الغضب في حقيقة ذاته ولكن في صفة من الصفات وتقارنها وأثر من الآثار يصدر عنها وهو الإيلام. فهذه درجات التأويلات.

(فصل في المصدقين)

اعلم أن كل من نزل قولا من أقوال صاحب الشرع على درجة من هذه الدرجات فهو من المصدقين، وإنما التكذيب أن ينفي جميع هذه المعاني، ويزعم أن ما قاله لا معنى له، وإنما هو كذب محض وغرضه فيما قاله التلبيس أو مصلحة الدنيا وذلك هو الكفر المحض والزندقة، ولا يلزم كفر المؤولين ما داموا يلازمون قانون التأويل كما سنشير إليه وكيف يلزم الكفر بالتأويل، وما من فريق من أهل الإسلام إلا وهو مضطر إليه. فأبعد الناس عن التأويل أحمد بن حنبل رحمة اللّه عليه، وأبعد التأويلات عن الحقيقة وأغربها أن تجعل الكلام مجازا أو استعارة هو الوجود العقلي والوجود الشبهي، والحنبلي مضطر إليه وقائل به، فقد سمعت الثقات من أئمة الحنابلة ببغداد يقولون إن أحمد بن حنبل رحمه اللّه صرح بتأويل ثلاثة أحاديث فقط:

أحدها: قوله صلى اللّه عليه وسلم:"الحجر الأسود يمين اللّه في الأرض".

والثاني: قوله صلى اللّه عليه وسلم:"قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرّحمن".

والثالث: قوله صلى اللّه عليه وسلم:"إنّي لأجد نفس الرّحمن من قبل اليمن".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت