فهرس الكتاب
فانظر الآن كيف أوّل هذا حيث قام البرهان عنده على استحالة ظاهرة، فيقول: اليمين تقبل في العادة تقربا إلى صاحبها، والحجر الأسود يقبل أيضا تقرّبا إلى اللّه تعالى فهو مثل اليمين لا في ذاته ولا في صفات ذاته، ولكن في عارض من عوارضه فسمي لذلك يمينا. وهذا الوجود هو الذي سميناه الوجود الشبهي وهو أبعد وجوه التأويل، فانظر كيف اضطر إليه أبعد الناس عن التأويل. وكذلك لما استحال عنده وجود الإصبعين للّه تعالى حسّا إذ من فتش عن صدره لم يشاهد فيه إصبعين فتأوله على روح الإصبعين وهي الأصبع العقلية الروحانية. أعني أن روح الأصبع ما به يتيسر تقلب الأشياء. وقلب الإنسان بين لمة الملك ولمة الشيطان، وبهما يقلب اللّه تعالى القلوب، فكنى الإصبعين عنهما. وإنما اقتصر أحمد بن حنبل رضي اللّه عنه على تأويل هذه الأحاديث الثلاثة لأنه لم تظهر عنده الاستحالة إلا في هذا القدر، لأنه لم يكن ممعنا في النظر العقلي ولو أمعن لظهر له ذلك في الاختصاص بجهة فوق وغيره مما لم يتأوله، والأشعري والمعتزلي لزيادة بحثهما تجاوزا إلى تأويل ظواهر كثيرة، وأقرب الناس إلى الحنابلة في أمور الآخرة الأشعرية وفقهم اللّه فإنهم قرروا فيها أكثر الظواهر إلا يسيرا، والمعتزلة أشدّ منهم توغلا في التأويلات وهم مع هذا. أعني الأشعرية. يضطرون أيضا إلى تأويل أمور كما ذكرناه من قوله: إنه يؤتى بالموت في صورة كبش أملح، وكما ورد من وزن الأعمال بالميزان، فإن الأشعري أوّل من وزن الأعمال فقال: توزن صحائف الأعمال ويخلق اللّه فيها أوزانا بقدر درجات الأعمال، وهذا ردّ إلى الوجود الشبهي البعيد فإن الصحائف أجسام كتب فيها رقوم تدلّ بالاصطلاح على أعمال هي أغراض، فليس الموزون إذا العمل بل محل نفش يدل بالاصطلاح على العمل. والمعتزلي تأوّل نفس الميزان وجعله كناية عن سبب به ينكشف لكل واحد مقدار عمله، وهو أبعد عن التعسف في التأويل بوزن الصحائف، وليس الغرض تصحيح أحد التأويلين، بل تعلم أن كل فريق وإن بالغ في ملازمة الظواهر فهو مضطر إلى التأويل إلا أن يجاوز الحدّ في الغباوة والتجاهل، فيقول: الحجر الأسود يمين تحقيقا، والموت وإن كان عرضا فيستحيل فينتقل كبشا بطريق الانقلاب، والأعمال وإن كانت أعراضا، وقد عدمت فتنتقل إلى الميزان ويكون فيها أعراض هي الثقل، ومن ينتهي إلى هذا الحد من الجهل فقد انخلع من ربقة العقل.