فهرس الكتاب
فكّر فيمن عدم البصر والسمع وما يناله من الخلل فإنه لا ينظر أن يضع قدمه ولا يدري ما بين يديه ولا يفرق بين الألوان ولا يدري بهجوم آفة أو عدو ولا سبيل له أن يتعلم أكثر الصناعات، وأما من عدم السمع فإنه من يفقد روح المخاطبة والمحاضرة ويعدم لذة الأصوات المستحسنة والألحان المطربة وتعظم المئونة على من يخاطبه حتى ينصرم منه ولا يسمع شيئا من أخبار الناس وأحاديثهم حتى يصير كالغائب وهو شاهد، وكالميت وهو حي، وأما من عدم العقل فهو أشر من البهائم، فانظر كيف صارت هذه الجوارح وهذه الأوصاف التي بها صلاح الإنسان محصلة ومبلغة لجميع مآربه ومتممة لجميع مقاصده، وإذا فقد شيئا اختل أمره وعظم مصابه، ومن بلي بفقد شيء منها فهو تأديب وموعظة وتعريف بقدر نعمة اللّه في حقه وحق أمثاله ولينال بصبره على ذلك حظا في الآخرة، فانظر إلى رحمة اللّه كيف توجد في العطاء والمنع.
ثم فكر في الأعضاء التي خلقت أفرادا وأزواجا، وما في ذلك من الحكمة والصواب، فالرأس مما خلق فردا، وإن كثيرا من الحواس قد حواها رأس واحد ولو زاد عليه شيء كان ثقلا لا يحتاج إليه، فإن كان قسمين فإن تكلم واحدهما بقي الآخر معطلا لا حاجة إليه، وإن تكلم منهما جميعا بكلام واحد كان أحدهما فضلة لا يحتاج إليها، وإن تكلم من أحدهما بخلاف ما يتكلم به من الآخر لم يدر السامع مراده من ذلك، وأما الذي يأخذ به السامع هو ما كان واضحا، واليدان خلقتا أزواجا ولم يكن للإنسان خير في أن يكون يلم بيد واحدة لاختلال ما يعالجه من الأمور، فإنك ترى من شلت إحدى يديه ما يكون عنده من النقص، وأن يكلف بشيء لم يحكمه ولا يبلغ ما يبلغ صاحب اليدين وحكمة الرجلين ظاهرة.
فكر في تهيئة آلات الصوت، فالحنجرة كالأنبوبة لخروج الصوت واللسان والشفتان والأسنان لإصاغة الحروف والفم. ألا ترى أن من سقطت أسنانه أو أكثرها كيف يحصل الخلل في كلامه، ثم انظر إلى ما في الحنجرة من المنفعة لسلوك النسيم منها إلى الرئة فتروح على الفؤاد بهذا النفس المتتابع، وما في اللسان من تقليب الطعام وإعانته على تسويغ الطعام والشراب، وما في الأسنان من المعونة أيضا، ثم هي كالمسند للشفتين تمسكهما وتدعهما من داخل الفم، وبالشفتين يرتشف الشراب حتى يكون ما يدخله إلى الجوف بقصد وبقدر ما يختاره الإنسان، ثم هما على الفم كالباب.
فقد تبين أن كل عضو من هذه الأعضاء ينصرف إلى وجوه من المآرب وضروب من المصالح إن زاد أفسد وإن نقص أفسد، فذلك تقدير العزيز العليم. فكر في الدماغ إذا كشف عنه فإنك تجده قد لف بعضه فوق بعض ليصونه من الأعراض وأطبقت عليه الجمجمة والشعر ستر لها وجمال ولتبعد عنها ما يؤذيها من حر وبرد وغير ذلك فحصن سبحانه وتعالى الدماغ هذا التحصين لعلمه بأنه معهم وأنه مستحق لذلك لكونه ينبوع الحس، ثم انظر كيف غيب الفؤاد في جوف الصدر وكساه المدرعة التي هي غشاؤه وأتقنها وحصنه بالجوانح وما عليها من اللحم والعصب لشرفه وأن ذلك اللائق به، ثم انظر كيف جعل في الحلق منفذين: أحدهما للصوت وهو الحلقوم الواصل إلى الرئة والآخر للغذاء وهو المريء الواصل إلى المعدة، وجعل على الحلقوم طبقا يمنع الطعام أن يصل إليه، ثم جعل الرئة مروحة الفؤاد لا تفتر ولا تخل تأخذ وترد بغير كلفة لئلا تنحصر الحرارة في القلب فتؤدي إلى التلف، ثم ملأ الجو هواء لهذه المصلحة ولغيرها، ثم انظر كيف جعل منافذ البول والغائط أسراحا يضبطها لكي لا يجري جريانا دائما فيفسد على الإنسان عيشته، ثم انظر كيف جعل لحم الفخذين كثيرا كثيفا ليقي الإنسان من ألم الجلوس على الأرض كما يألم من الجلوس من نحل جسمه وقل لحمه إذا لم يكن بينه وبين الأرض حائل.
انظر لو كان ذكر الرجل مسترخيا أبدا كيف يصل الماء إلى موضع الخلق ولو كان منعظا أبدا كيف يكون حاله في تصرفاته وهو كذلك؟ بل جعله مستورا كأنه لم تخلق له شهوة، ثم انظر أليس أنه من حسن التدبير في البناء أن يكون الخلاء في أستر موضع في الدار، فلهذا اتخذ المنفذ المهيأ لقضاء حاجة الإنسان في أستر موضع من جسده مغيب فيه تلتقي عليه فخذاه بما عليهما من اللحم فتواريه به ويخفي ذكره، وذلك مخصوص بالإنسان لشرفه، ثم انظر في خلق الشعر والأظفار لما كانا يطولان، وفي تقصيرهما مصلحة جعلا عديمي الحس حتى لا ينال الإنسان ألم عند التزيين بقصهما، ولو لا هذه الحكمة لكان بين أمرين: إما أن يدعهما على حالهما فيتشوه خلقه، أو يزيل ذلك فيتألم بإزالته، ثم تفكر في الشعور لو نبتت في العين لأعمت البصر، أو في الفم لنغصت الأكل والشرب، أو في راحة الكف لنفدت لذة اللمس وبعض الأعمال، أو في الفرج لكدرت لذة الجماع مع قبول هذه المواضع لنباتها فيها. فسبحان المدبر المنعم بهذه النعم.
فانظر كيف تصد بهذا الخلق طريق الصواب وتجنب الخطأ والضرر ثم فيما جبل عليه الإنسان من الاحتياج إلى المطعم والنوم والجماع وما في ذلك من التدبير المحكم. فقد جعل في طبعه محركا يقتضيه ويستحثه. فالجوع والعطش يقتضي طلب الطعام الذي به حياته، وكذلك الشراب الذي به قوامه والنوم فيه راحة البدن وعموم القوى، والشبق يقتضي الجماع الذي به دوام النسل وبقاؤه، فلو كان الإنسان إنما يتناول الطعام والشراب لمعرفته بالحاجة إليه ولم يجد من طباعه ما يلجئه إليه لاشتغل بأسباب ضرورته فينحل قواه ويهلك كما أنه قد يحتاج إلى دواء يكرهه، وفيه صلاحه وليس في جبلته داعية له فيدافع عن تناوله فيمرض أو يموت فكذلك لو كان يفعل النوم ويدخله على جسمه باختياره لتشاغل عنه ببعض مهماته فيهلك جسمه بالتعب والنصب. وكذلك لو كان إقدامه على الجماع إنما هو لرغبة حصول الولد لانقطع النسل لما يعارضه من الأسباب المشغلة. فانظر كيف جعل فيه بالطبع ما يضطره إلى حصول هذه الفوائد. انظر كيف رتبت هذه القوى بهذا الترتيب المحكم العجيب. فصار البدن بما فيه بمنزلة دار لملك فيها حشم وقوم موكلون بالدار فواحد لإمضاء حوائج الحشم وإيراد ماء لهم، وآخر لقبض ما يرد خزنه إلى أن يعالج ويهيأ، وآخر لإصلاح ذلك وتهيئته وإصلاحه أخص مما قبل، وآخر لكسح ما في الدار من الأقذار وإخراجه، فالملك في هذا المثل هو الخالق العليم سبحانه. والدار هي البدن، والحشم هي الأعضاء، والقوم في هذه القوى الأربع التي هي النفس وموقعها من الإنسان بمعنى الفكر والوهم والعقل والحفظ والغضب وغير ذلك. أرأيت لو نقص من الإنسان من هذه الصفات الحفظ وحده كيف يكون حاله، وكان لا يحفظ ما له وما عليه وما أصدر وما أورد وما أعطى وما أخذ وما رأى وما سمع وما قال وما قيل له ولم يذكر من أحسن إليه ولا من أساء له ولا من نفعه ممن ضره.