فهرس الكتاب
رجل: وقعت له شبهة ليست تزول عن قلبه بكلام ريب وعظي ولا بخبر نقلي عن رسول اللّه فيجوز أن يكون القول المرتب الكلامي رافعا شبهته ودواء له في مرضه، فيستعمل معه ذلك ويحرس عنه سمع الصحيح الذي ليس به ذلك المرض فإنه يوشك أن يحرك في نفسه إشكالا ويثير له شبهة تمرضه وتستنزله عن اعتقاده المجزوم الصحيح.
والثاني: شخص كامل العقل راسخ القدم في الدين ثابت الإيمان بأنوار اليقين، يريد أن يحصل هذه الصنعة ليداوي بها مريضا إذا وقعت له شبهة، وليفحم بها مبتدعا إذا نبغ وليحرس به معتقده إذا قصد مبتدع اغواءه، فتعلم ذلك بهذا العزم كان من فروض الكفايات، وتعلم قدر ما يزيل به الشكّ ويدرأ الشبهة في حقّ المشكل فرض عين، إذا لم يمكن إعادة اعتقاده المجزوم بطريق آخر سواه. والحقّ الصريح أن كل من اعتقد ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام واشتمل عليه القرآن اعتقادا جزما فهو مؤمن وإن لم يعرف أدلّته، بل الإيمان المستفاد من الدليل الكلامي ضعيف جدا مشرف على التزاول بكل شبهة بل الإيمان الراسخ إيمان العوام الحاصل في قلوبهم في الصبا بتواتر السماع أو الحاصل بعد البلوغ بقرائن أحوال لا يمكن التعبير عنها وتمام تأكده بلزومه العبادة والذكر، فإن من تمادت به العبادة إلى حقيقة التقوى وتطهير الباطن عن كدورات الدنيا وملازمة ذكر اللّه تعالى دائما تجلت له أنوار المعرفة وصارت الأمور التي كان قد أخذها تقليدا عنده كالمعاينة والمشاهدة، وذلك حقيقة المعرفة التي لا تحصل إلا بعد انحلال عقدة الاعتقادات وانشراح الصدر بنور اللّه تعالى {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ} [النور: 22] . كما سئل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن معنى شرح الصدر فقال:"نور يقذف في قلب المؤمن"، فقيل: وما علامته؟ قال:"التّجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود". فبهذا يعلم أن المتكلم المقبل على الدنيا المتهالك عليها غير مدرك حقيقة المعرفة ولو أدركها لتجافى عن دار الغرور قطعا.