فهرس الكتاب

الصفحة 84 من 153

(باب في حكمة خلق السمك وما تضمن خلقها من الحكم)

قال اللّه تعالى: {وهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا} [النحل: 14] .

انظر واعتبر بما خلق اللّه تعالى في البحار والأنهار من الحيوان المختلف الصور والأشكال، وما فيه من الآيات البينات، فإنه تعالى لما جعل مسكنه في الماء لم يخلق له قوائم ولم يخلق فيه رئة، لأنه لا يتمشى وهو منغمس في لجة الماء، وخلقت له مكان القوائم أجنحة شداد يحركها من جانبه فيسير بها حيث شاء، وكسا جلده كسوة متداخلة صلبة تخالف لحمه متراصة كأنها درع لتتقيه ما يعتدي عليه وما يؤذيه، وما لم يخلق له من السمك تلك الكسوة وهي القشر المتداخل المخلوق على ظاهره خلق له جلدا غليظا متقنا يقوم له مقام تلك الكسوة لغيره، وخلق له بصرا وسمعا وشما ليستعين بذلك على نيل قوته والهرب مما يؤذيه.

وانظر كيف أعطي في قعر البحر ما يناسبه في نيل القوت والهرب مما يضره، ولما علم اللّه

سبحانه أن بعضه غذاء لبعض كثرة، وجعل أكثر أصنافه يحمل، ولم يجعل الحمل منه مخصوصا بالأنثى دون الذكر كحيوان البر، بل جعل الذكر والأنثى جنسا واحدا يخلق في بطونها مرة واحدة في وقت معلوم ذريعة مجتمعة مشتملة على عدد لا ينحصر، فيخلق من جوف واحدة عددا لا يحصى، وذلك من كل برزة حوتا من الجنس ومن جنس آخر يخلق في الأنهار وغيرها بغير توالد فيخلق منها أعدادا لا تنحصر دفعة واحدة، ومنه صنف يتوالد بالذكر والأنثى، وهذا الجنس يخلق له يدان ورجلان مثل السلحفاة والتمساح وما شاكلهما فيتولد منهما بيض، فإذا فقّس البيض بحرارة الشمس خرج من كل بيضة واحد من الجنس، ولما علم اللّه سبحانه وتعالى أن السمك في البحر لا يمكن أن يحضن ما يخرج من بزره ألقى الروح في بزر جميعه عند ما يولد فيجد فيه جميع ما يحتاجه من الأعضاء عند إلقاء الروح فيه فيستقل ولا يفتقر إلى أحد في كمال خلقه، فانظر هذه الحكمة واللطف حيث لم يمكن حضانته في البحر ولا تربيته ولا معونته ألبتة جعله مستقلا بنفسه مستغنيا عن ذلك كله، ثم إن اللّه سبحانه كثره، لأن منه قوت جنسه وقوتا لبني آدم والطير فلذلك كان كثيرا، ثم انظر إلى سرعة حركته وإن لم تكن له آلة كغيره من الحيوان وانظر إلى حركة ذنبه وانقسامه، وكيف يعتدل بذلك في سيره كما تعتدل السفينة برجلها في سيرها، وخلقت أرياشه ألواحا من جانبيه ليعتدل بهما أيضا في سيره فهو بمنزلة المركب، وانظر إلى عظامه كيف خلقت مثل العمد يبنى عليها، ففي كل موضع منه ما يليق به من صورة العظم المشاكل لذلك العضو، فهو كإنشاء المركب يمتد العظم الجافي الذي هو قوته ويخرج من أضلاع إلى مراقي البطن والظهر وعظام الرأس يحتاج إليه من الأمر وبه قوامه. وانظر إلى ما كان منه كاسرا كيف أعين على نيل قوته لصلابة اللحم وقوة النهضة وكثرة الأسنان حتى أنه لكثر أسنانه تكون العضة الواحدة تجزيه عن المضغ.

انظر إلى ما خلق اللّه في البحر ضعيفا قليل الحركة مثل أصناف الصدف والحلزون كيف حفظ بأن خلق عليه ذلك الحصن الذي هو صلب كالرخام ليصونه ويحفظه، وجعل له بيتا وسكنا، وجعل ما يولي جسده ناعما أنعم ما يكون، وربما ضر ببيت بعض أصناف الحلزون حتى لا يكون فيه مطمع ألبتة، وأصناف منه خلقت في محائز مفتوحة لا يمكن صيانتها لنفسها لتغلقها ولا يضيق مسلكها، فجعل اللّه لها من الجبال والحجارة مغطى، وجعل لها أسبابا تلتصق بها في الجبل فلا يستطاع إخراجها إلا بغاية الجهد، وجعل لها قوتا من رطوبة الجبل تتأتى حياتها بذلك.

وأما الحلزون الذي بينه كأنه كوكب فإنه يخرج رأسه يرعى، فإذا أحس بما يؤذيه أدخل رأسه في بيته وختم عليه بطابع صلب يقرب من صلابة بيته فيغيب أثره بالجملة فانظر هذا اللطف وأن اللّه لم يهمل شيئا.

واعلم أن اللّه حافظ لما في البحار وما في الآكام والجبال. فتبارك الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى.

وانظر إلى أنواع من السمك يرعى قرب البر الصغير منها والجا في الأعماق، وخلق اللّه في جوفه صبغا كأنه حبر وهو يخلق له فيه من فضلة غذائه كما يخلق اللبن في الضرع، فإذا أحس

ما يؤذيه أخرج من جوفه ما يعكر موضعه، ثم يذهب في الماء الذي تغير فلا يعرف كيف ذهب ولا كيف طريقه من تغيير الماء فعل اللّه ذلك له وقاية لنفسه وفعل فيه مصالح أخرى لا يعلمها إلا خالقها. انظر إلى نوع آخر من السمك أعين بأجنحة مثل أجنحة الخفاش ينتقل بها من موضع إلى موضع في الهواء من وجه الماء يظهر لمن لا يعرف ذلك أنه من طيور البر. انظر إلى نوع آخر من أنواع السمك ضعيف وكثيرا ما يكون في الأنهار، وجعل اللّه فيه خاصية تصونه إذا اقتربت منه يد من يأخذه وفيه الروح تخدر البدن واليد فيعجز قاصده عن أخذه بذلك السبب، فلو ملئت الكتب بعجائب حكم اللّه في خلق واحد لامتلأت الكتب وعجز البشر عن استكمالها وما هو المذكور في كل نوع تنبيه يشير إلى أمر عظيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت