فهرس الكتاب

الصفحة 128 من 234

{وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ ...(82)}

وأمَّا الفرق بينه وبين الحقيقة, فهو أنَّ الحقيقة جارية على العموم في نظائر، ألا ترى أنَّا إذا قلنا:"فلان عالم"صدق على كل ذي علم، بخلاف {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} ؛ لأنه لا يصح إلّا في بعض الجمادات دون بعض؛ إذ المراد أهل القرية؛ لأنهم ممن يصح السؤال لهم، ولا يجوز أن يقال: واسأل الحجر والتراب، وقد يحسن أن يقال: واسأل الربع والطلل.

واعلم أنَّ كلَّ مجاز فله حقيقة؛ لأنه لم يصح أن يطلق عليه اسم المجاز إلّا لنقله عن حقيقة موضوعة له، إذ المجاز هو اسم للموضع الذي يتنقل فيه من مكان إلى مكان، فجعل ذلك لنقل الألفاظ من الحقيقة إلى غيرها.

وإذا كان كل مجازٍ لا بُدَّ له من حقيقة نقل عنها إلى حالته المجازية, فكذلك ليس من ضرورة كل حقيقة أن يكون لها مجاز، فإن من الأسماء ما لا مجاز له، كأسماء الأعلام؛ لأنها وضعت للفرق بين الذوات لا للفرق بين الصفات.

وكذلك فاعلم أن المجاز أولى بالاستعمال من الحقيقة في باب الفصاحة والبلاغة؛ لأنه لو لم يكن كذلك لكانت الحقيقة التي هي الأصل أولى منه؛ حيث هو فرع عليها، وليس الأمر كذلك؛ لأنه قد ثبت وتحقَّقَ أن فائدة الكلام الخطابي هو إثبات الغرض المقصود في نفس السامع بالتخييل والتصوير حتى يكاد ينظر إليه عيانًا.

ألا ترى أن حقيقة قولنا:"زيد أسد"هي قولنا:"زيد شجاع", لكن فرق بين القولين في التصوير والتخييل، وإثبات الغرض المقصود في نفس السماع؛ لأن قولنا:"زيد شجاع"لا يتخيّل منه السامع سوى أنه رجل جريء مقدام، فإذا قلنا:"زيد أسد"يخيل عند ذلك صورة الأسد وهيئته، وما عنده من البطش والقوة، ودق الفرائس, وهذا لا نزاع فيه. وأعجب ما في العبارة المجازية أنها تنقل السامع عن خلقه الطبيعي في بعض الأحوال، حتى إنها ليسمح بها البخيل، ويشجع بها الجبان، ويحكم بها الطائش المتسرِّع، ويجد المخاطب بها عند سماعها نشوة كنشوة الخمر، حتى إذا قطع عنه ذلك الكلام أفاق وندم على ما كان منه من بذل مال, أو ترك عقوبة, أو إقدام على أمر مهول، وهذا هو فحوى السحر الحلال، المستغني عن إلقاء العصا والحبال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت