فهرس الكتاب

الصفحة 186 من 234

{وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ(75)}

قول ابن جني في المجاز والرد عليه:

وكنت تصفحت كتاب"الخصائص"لأبي الفتح عثمان بن جني، فوجدته قد ذكر في المجاز شيئًا يتطرق إليه النظر، وذلك أنه قال: لا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز إلا لمعان ثلاثة، وهي الاتساع، والتشبيه، والتوكيد؛ فإن عدمت الثلاثة، كانت الحقيقة ألبتة.

فمن ذلك قوله تعالى: {وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا} فهذا مجاز، وفيه الثلاثة المذكورة:

أما الاتساع: فهو أنه زاد في أسماء الجهات والمحال اسمًا، وهو الرحمة.

وأما التشبيه، فإنه شبه الرحمة - وإن لم يصح دخولها - بما يصح دخوله.

وأما التوكيد: فهو أنه أخبر عما لا يدرك بالحاسة بما يدرك بالحاسة؛ تعاليًا بالمخبر عنه، وتفخيمًا له إذا صير بمنزلة ما يشاهد ويعاين.

هذا مجموع قول أبي الفتح - رحمه الله - من غير زيادة ولا نقص.

والنظر يتطرق إليه من ثلاثة أوجه:

الأول: أنه جعل وجود هذه المعاني الثلاثة سببًا لوجود المجاز، بل وجود واحد منها سببًا لوجوده ألا ترى أنه إذا وجد التشبيه وحده كان ذلك مجازًا، وإذا وجد الاتساع وحده كان ذلك مجازًا، ثم إن كان وجود هذه المعاني الثلاثة سببًا لوجود المجاز، كان عدم واحد منها سببًا لعدمه.

ألا ترى أنا إذا قلنا: لا يوجد الإنسان إلا بأن يكون حيوانًا ناطقًا؛ فالحيوانية والنطق سبب لوجود الإنسان، وإذا عدم واحد منهما بطل أن يكون إنسانًا، وكذلك كل صفات تكون متقدمة لوجود الشيء؛ فإن وجودها بوجوده، وعدم واحد منها يوجب عدمه؟

وأما الوجه الثاني: فإنه ذكر التوكيد والتشبيه، وكلاهما شيء واحد على الوجه الذي ذكره؛ لأنه لما شبهت الرحمة، وهي معنى لا يدرك بالبصر، بمكان يدخل، وهو صورة تدرك بالبصر، دخل تحته التوكيد الذي هو إخبار عما لا يدرك بالحاسة بما قد يدرك بالحاسة.

على أن التوكيد ههنا، على وجه ما أورده في تمثيله، لا أعلم ما الذي أراد به؛ لأنه لا يؤتى به في اللغة العربية إلا لمعنيين:

أحدهما: أنه يرد أبدًا فيما استقري بألفاظ محصورة نحو: نفسه، وعينه وكله، وما أضيف إليها مما استقري، وهو مذكور في كتب النحاة، وقد كفيت مؤنته.

الآخر: أنه يريد على وجه التكرير، نحو: قام زيد قام زيد كرر اللفظ في ذلك تحقيقًا للمعنى المقصود: أي توكيدًا.

والذي ذكره أبو الفتح - رحمه الله تعالى - لا يدل على أن المراد به أحد هذين المعنيين المشار إليهما، ولا شك أنه أراد به المبالغة، والمغالاة في إبراز المعنى الموهوم إلى الصورة المشاهدة، فعبر عن ذلك بالتوكيد، ولا مشاحة له في تعبيره، وإذا أراد به ذلك فهو والتشبيه سواء على ما ذكره، ولا حاجة إلى ذكر توكيد مع ذكر التشبيه.

وأما الوجه الثالث: فإنه قال:"أما الاتساع فهو أنه زاد في أسماء الجهات، والمحال كذا وكذا".

وهذا القول مضطرب شديد الاضطراب؛ لأنه ينبغي على قياسه أن يكون جناح الذل في قوله تعالى: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ} زيادة في أسماء الطيور، وذلك أنه زاد في أسماء الطيور اسمًا هو الذل، وهكذا يجري الحكم في الأقوال الشعرية كقول أبي تمام:

لبست سواه أقوامًا فكانوا ... كما أغنى التيمم بالصعيد

فزاد في أسماء اللباس اسمًا، هو الآدمي، وهذا مما يضحك منك، نعوذ بالله من الخطل!!

والاتساع في المجال لا يقال فيه كذا، وإنما يقال: هو أن تجري صفة من الصفات على موصوف ليس أهلًا لأن تجري عليه؛ لبعد بينه وبينها، كقول أبي الطيب المتنبي:

إثلث فإنا أيها الطلل ... نبكي وترزم تحتنا الإبل

فإنه أجري الكلام على ذلك، وإنما يستعمل طلبًا للاتساع في أساليب الكلام، لا لمناسبة بين الصفة والموصوف؛ إذ لو كان لمناسبة لما كان ذلك اتساعًا، وإنما كان ضربًا من القياس في حمل الشيء على ما يناسبه ويشاكله، وحينئذٍ يكون ذلك تشبيهًا أو استعارة، على ما أشرت إليه من قبل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت