وكذلك يرجع عن الفعل الماضي إلى فعل الأمر، إلا أنه ليس كالأول، بل إنما يفعل ذلك توكيدا لما أجري عليه فعل الأمر، لمكان العناية بتحقيقه، كقوله تعالى: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ .... } .
وكان تقدير الكلام: أمر ربي بالقسط وبإقامة وجوهكم عند كل مسجد، فعدل عن ذلك إلى فعل الأمر، للعناية بتوكيده في نفوسهم، فإن الصلاة من أوكد فرائض الله على عباده، ثم أتبعها بالإخلاص الذي هو عمل القلب، إذ عمل الجوارح لا يصح إلا بإخلاص النية، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"الأعمال بالنيات".
واعلم أيها المتوشح لمعرفة علم البيان، أن العدول عن صيغة من الألفاظ إلى صيغة أخرى لا يكون إلا لنوع خصوصية اقتضت ذلك، وهو لا يتوخاه في كلامه إلا العارف برموز الفصاحة والبلاغة، الذي اطلع على أسرارها، وفتش عن دفائنها، ولا تجد ذلك في كل كلام، فإنه من أشكل ضروب علم البيان، وأدقها فهما، وأغمضها طريقا.