فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 234

{يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ(1)}

ومن أدب هذا النوع ألا يذكر الشاعر في افتتاح قصيدة بالمديح ما يتطير منه، وهذا يرجع إلى أدب النفس، لا إلى أدب الدرس، فينبغي أن يحترز منه في مواضعه، كوصف الديار بالدثور والمنازل بالعفاء، وغير ذلك من تشتت الآلاف وذم الزمان, لا سيما إذا كان في التهاني، فإنه يكون أشد قبحا، وإنما يستعمل ذلك في الخطوب النازلة والنوائب الحادثة، ومتى كان الكلام في المديح مفتتحا بشيء من ذلك تطير منه سامعه.

وإنما خصت الابتداءات بالاختيار؛ لأنها أول ما يطرق السمع من الكلام، فإذا كان الابتداء لائقا بالمعنى الوارد بعده توفرت الدواعي على استماعه.

ويكفيك من هذا الباب الابتداءات الواردة في القرآن الكريم، كالتحميدات المفتتح بها في أوائل السور، وكذلك الابتداءات بالنداء كقوله تعالى في مفتتح سورة النساء: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} وكقوله تعالى في أول سورة الحج: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} فإن هذا الابتداء مما يوقظ السامعين للإصغاء إليه.

وكذلك الابتداءات بالحروف كقوله تعالى:"ألم وطس وحم"وغير ذلك، فإن هذا أيضًا يبعث على الاستماع إليه؛ لأنه يقرع السمع شيء غريب ليس له بمثله عادة، فيكون ذلك سببا للتطلع نحوه والإصغاء إليه.

ومن قبيح الابتداءات قول ذي الرمة:

ما بال عينك منها الماء ينسكب

لأن مقابلة الممدوح بهذا الخطاب لا خفاء بقبحه وكراهته.

ولما أنشد الأخطل عبد الملك بن مروان قصيدته التي أولها:

خف القطين فراحوا منك أو بكروا

قال له عند ذلك: لا، بل منك، وتطير

من قوله، فغيرها ذو الرمة، وقال: خف القطين فراحوا اليوم أو بكروا

ومن شاء أن يذكر الديار والأطلال في شعره فليتأدب بأدب القطامي على جفاء طبعه، وبعده عن فطانة الأدب فإنه قال:

إنا محيوك فاسلم أيها الطلل

فبدأ قبل ذكر الطلل بذكر التحية والدعاء له بالسلامة.

وقد قيل: إن امرأ القيس كان يجيد الابتداء كقوله: ألا انعم صباحا أيها الطلل البالي

وكقوله: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل

ومما يكره من الابتداءات قول أبي تمام:

تجرع أسى قد أقفر الجرع الفرد

وإنما ألقى أبا تمام في مثل هذا المكروه تتبعه للتجنيس بين تجرع والجرع، وهذا دأب الرجل، فإنه كثيرًا ما يقع في ذلك:

وكذلك استقبح قول البحتري: فؤاد ملاه الحزن حتى تصدعا

فإن ابتداء المديح بمثل هذا طيرة ينبو عنها السمع، وهو أجدر بأن يكون ابتداء مرثية لا مديح، وما أعلم كيف يخفى على مثل البحتري وهو من مفلقي الشعراء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت