فهرس الكتاب

الصفحة 209 من 234

{اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ ...(35)}

وقيل: إن من شرط بلاغة التشبيه أن يشبه الشيء بما هو أكبر منه وأعظم.

ومن ههنا غلط بعض الكتاب من أهل مصر في ذكر حصن من حصون الجبال مشبهًا له، فقال:"هامةٌ عليها من الغمامة عمامة، وأنملة خضبها الأصيل، فكان الهلال منها قلامة".

وهذا الكاتب حفظ شيئًا، وغابت عنه أشياء!!

فإنه أخطأ في قوله:"أنملة"وأي مقدار للأنملة إلى تشبيه حصن على رأس جبل؟

وأصاب في المناسبة بين ذكر الأنملة والقلامة، وتشبيهها بالهلال.

فإن قيل: إن هذا الكاتب تأسى فيما ذكره بكلام الله تعالى حيث قال: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ} فمثل نوره بطاقةٍ فيها ذبالة.

وقال الله تعالى: {وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ} فمثل الهلال بأصل عذق النخلة.

فالجواب عن ذلك أني أقول:

أما تمثيل نور الله تعالى بمشكاة فيها مصباح، فإن هذا مثال ضربه للنبي - صلى الله عليه وسلم - ويدل عليه أنه قال: {يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ} .

وإذا نظرت إلى هذا الموضع وجدته تشبيهًا لطيفًا عجيبًا، وذاك أن قلب النبي - صلى الله عليه وسلم، وما ألقي فيه من النور، وما هو عليه من الصفة الشفافة، كالزجاجة التي كأنها كوكب لصفائها وإضاءتها.

وأما الشجرة المباركة التي لا شرقية ولا غربية، فإنها عبارة عن ذات النبي - صلى الله عليه وسلم؛ لأنه من أرض الحجاز التي لا تميل إلى الشرق، ولا إلى الغرب.

وأما زيت هذه الزجاجة، فإنه مضيء من غير أن تمسه نار، والمراد أن فطرته فطرةٌ صافية من الأكدار، منيرة من قبل مصافحة الأنوار.

فهذا هو المراد بالتشبيه الذي ورد في هذه الآية.

وأما الآية الأخرى، فإنه شبه الهلال فيها بالعرجون القديم، وذلك في هيئة نحوله واستدارته، لا في مقداره، فإن مقدار الهلال عظيم، ولا نسبة للعرجون إليه، لكنه في مرأى النظر كالعرجون هيئةً، لا مقدارًا.

وأما هذا الكاتب، فإن تشبيهه ليس على هذا النسق؛ لأنه شبه صورة الحصن بأنملة في المقدار، لا في هيئة والشكل.

وهذا غير حسن ولا مناسب، وإنما ألقاه فيه أنه قصد الهلال، والقلامة مع ذكر الأنملة، فأخطأ من جهة، وأصاب من جهة، لكن خطؤه غطى على صوابه.

والقول السديد في بلاغة التشبيه هو ما أذكره، وهو: أن إطلاق من أطلق قوله في أن من شرط بلاغة التشبيه أن يشبه الأصغر بالأكبر غير سديد، فإن هذا قول غير حاصرٍ للغرض المقصود؛ لأن التشبيه يأتي تارة في معرض المدح، وتارة في معرض الذم، وتارة في غير معرض مدح ولا ذم، وإنما يأتي قصدًا للإبانة والإيضاح، ولا يكون تشبيه أصغر بأكبر، كما ذهب إليه من ذهب.

بل القول الجامع في ذلك أن يقال: إن التشبيه لا يعمد إليه إلا لضرب من المبالغة: فإما أن يكون مدحًا أو ذمًا، أو بيانًا أو إيضاحًا، ولا يخرج عن هذه المعاني الثلاثة.

وإذا كان الأمر كذلك، فلا بد فيه من تقدير لفظة"أفعل"، فإن لم تقدر لفظة"أفعل"، فليس بتشبيه بليغ، ألا ترى أنا نقول في التشبيه المضمر الأداة:"زيد أسد"، فقد شبهنا زيدًا بأسد الذي هو أشجع منه، فإن لم يكن المشبه به في هذا المقام أشجع من"زيد"الذي هو المشبه، وإلا كان التشبيه ناقصًا، إذ لا مبالغة فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت