ومما جاء من ذلك أيضًا قوله تعالى في قصة مريم، وعيسى عليهما السلام: {فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا، فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا} .
وفي هذه الآية دليل على أن حملها به، ووضعها إياه كانا متقاربين؛ لأنه عطف الحمل والانتباذ إلى المكان الذي مضت إليه، والمخاض الذي هو الطلق بالفاء، وهي للفور، ولو كانت كغيرها من النساء لعطف بـ ثم التي هي للتراخي والمهلة.
ألا ترى أنه قد جاء في الأخرى: {قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ، مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ، ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ} ، فلما كان بين تقديره في البطن وإخراجه منه مدة متراخية عطف ذلك بـ ثم، وهذا خلاف قصة مريم - عليها السلام - فإنها عطفت بالفاء، وقد اختلف الناس في مدة حملها، فقيل: إنه كان كحمل غيرها من النساء، وقيل: لا، بل كان مدة ثلاثة أيام، وقيل: أقل، وقيل: أكثر.
وهذه الآية مزيلة للخلاف؛ لأنها دلت صريحا على أن الحمل والوضع كانا متقاربين على الفور من غير مهلة، وربما كان ذلك في يوم واحد أو أقل، أخذا بما دلت عليه الآية.