فإنه قوله تعالى: {الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} ، لا يمكن التعبير عنه إلا بألفاظ كثيرة؛ لأن معناه أنه إذا قتل القاتل امتنع غيره عن القتل، فأوجب ذلك حياة للناس.
ولا يلتفت إلى ما ورد عن العرب من قولهم: القتل أنفى للقتل، فإن من لا يعلم يظن أن هذا على وزن الآية، وليس كذلك، بل بينهما فرق من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: أن {الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} لفظتان، و"القتل أنفى للقتل"ثلاثة ألفاظ.
الوجه الثاني: أن في قولهم:"القتل أنفى للقتل"تكريرا ليس في الآية.
الوجه الثالث: أنه ليس كل قتل نافيا للقتل، إلا إذا كان على حكم القصاص.
وقد صاغ أبو تمام هذا الوارد عن العرب في بيت من شعره، فقال:
وأخافكم كي تغمدوا أسيافكم إن الدم المعتر 3 يحرسه الدم
فقوله:"إن الدم المعتر 3 يحرسه الدم"، أحسن مما ورد عن العرب من قولهم:"القتل أنفى للقتل".
ويروى عن معن بن زائدة 4 أنه سأله أبو جعفر المنصور، فقال له: أيما أحب إليك: دولتنا أو دولة بني أمية، فقال: ذاك إليك!
فقوله:"ذاك إليك"من الإيجاز بالقصر الذي لا يمكن التعبير عنه إلا بألفاظ كثيرة،
لأن معنى قوله:"ذاك إليك"، وهو لفظتان، أنه إن زاد إحسانك
على إحسان بني أمية، فأنتم أحب إلي، وهذه عشرة ألفاظ.
فإن قيل: كيف لا يمكن التعبير عن ألفاظ أخرى مثلها وفي عدتها، وفي المترادف من الألفاظ ما هو دليل على خلاف ذلك؟ فإنه إذا قيل: راح ثم قيل: مدامة أو سلافة كان ذلك سواء، وقامت هذه اللفظة مقام هذه اللفظة.
قلت في الجواب: ليس كل الألفاظ المترادفة يقوم بعضها مقام بعض، ألا ترى أن لفظة"القصاص"لا يمكن التعبير عنها بما يقوم مقامها، ولما عبر عنها بالقتل في قول العرب:"القتل أنفى للقتل"ظهر الفرق بين ذلك، وبين الآية في قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} ، فالذي أردته أنا إنما هو الكلام الذي لا يمكن التعبير عن ألفاظه بألفاظ أخرى مثلها وفي عدتها، فإن كان كذلك، وإلا كان داخلا في هذا القسم المشار إليه.