رواه البخاري رحمه الله في كتابه في مواضع منه، وتكلمنا عليه مطولًا في أول (( شرح البخاري ) )في (كتاب بدء الوحي) إسنادًا ومتنًا، ولله الحمد والمنة.
وأخرجه مسلم في (( صحيحه ) )، وانتهى سياقه إلى قول ورقة: (( أنصرك نصرًا مؤزرًا ) ).
فقول أم المؤمنين عائشة: (( أول ما بدئ به من الوحي الرؤيا الصادقة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ) )يقوي ما ذكره محمد بن إسحاق عن عبيد بن عمير الليثي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(( فجاءني جبريل وأنا نائم بنمط من ديباج في كتاب، فقال: اقرأ. فقلت: ما أقرأ. فغتّني حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلني ) ).
وذكر نحو حديث عائشة سواء.
فكان هذا كالتوطئة لما يأتي بعده من اليقظة، وقد جاء مصرحًا بهذا في (( مغازي موسى بن عقبة ) )عن الزهري أنه رأى ذلك في المنام، ثم جاءه الملك في اليقظة.
وروى أبو نعيم في (( الدلائل ) )بسنده عن علقمة بن قيس قال:
(( إن أول ما يؤتى به الأنبياء في المنام حتى تهدأ قلوبهم، ثم ينزل الوحي بعد ) ).
قال أبو شامة: وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى عجائب قبل بعثته.
فمن ذلك ما في (( صحيح مسلم ) )عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(مسلم 7/ 58/59)
(( إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلم عليّ قبل أن أُبعث، إني لأعرفه الآن ) ).
انتهى كلامه.
وإنما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الخلاء والانفراد عن قومه؛ لما يراهم عليه من الضلال المبين من عبادة الأوثان والسجود للأصنام، وقويت محبته للخلوة عند مقاربة إيحاء الله إليه، صلوات الله وسلامه عليه.
وقوله في الحديث: (( والتحنث: التعبد ) )تفسير بالمعنى، وإلا فحقيقة التحنث: من حيث البنية - فيما قاله السهيلي-: الدخول في الحنث. ولكن سمعت ألافظ قليلة في اللغة معناها: الخروج من ذلك الشيء؛ كتحنث، أي: خرج من الحنث، وتحوب، وتحرج وتأثم. وتهجد: هو ترك الهجود وهو النوم للصلاة، وتنجس وتقذر. أوردها أبو شامة.
@قال ابن هشام: والعرب تقول: التحنيث والتحنف. يبدلون الفاء من الثاء، كما قالوا: جدّف وجدث، كما قال رؤبة:
لو كان أحجاري من الاجداف.
يريد: الأجداث.
قال: وحدثني أبو عبيدة: أن العرب تقول: (فُمّ) في موضع (ثُمّ) .
قلت: ومن ذلك قول بعض المفسرين: {وفومها} أن المراد: ثومها.