فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 85

وقوله: (( حتى فجأه الحق وهو بغار حراء ) )؛ أي: جاء بغتة على غير موعد؛ كما قال تعالى: {وما كنت ترجوا أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك} الآية [النمل:86] .

وقد كان نزول هذه السورة الكريمة وهي: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ. الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 1 - 5] - وهي أول ما نزل من القرآن؛ كما قررنا ذلك في (( التفسير ) )، وكما سيأتي أيضًا - في يوم الاثنين؛ كما ثبت في (( صحيح مسلم ) )عن أبي قتادة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم يوم الاثنين؟ فقال:

(( ذاك يوم ولدت فيه، ويوم أنزل عليّ فيه ) ).

وقال ابن عباس:

ولد نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين، ونُبّي يوم الاثنين.

وهذا ما خلاف فيه.

والمشهور أنه بعث عليه الصلاة والسلام في شهر رمضان؛ كما نص على ذلك عبيد بن عمير ومحمد بن إسحاق وغيرهما، واستدل ابن إسحاق على ذلك بقوله تعالى: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس} [البقرة: 185] .

وروى الإمام أحمد عن واثلة بن الأسقع: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

(( أُنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان، والإنجيل لثلاث عشرة ليلة خلت من رمضان، وأنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان ) ).

وروى ابن مردويه في (( تفسيره ) )عن جابر بن عبد الله مرفوعًا نحوه.

ولهذا ذهب جماعة من الصحابة والتابعين إلى أن ليلة القدر ليلة أربع وعشرين.

وأما قول جبريل: (( اقرأ ) )، فقال: (( ما أنا بقارئ ) )؛ فالصحيح أن قوله: (( ما أنا بقارئ ) )نفي؛ أي: لست ممن يحسن القراءة، ووممن رجحه انووي، وقبله الشيخ أبو شامة.

ومن قال: إنها استفهامية. فقوله بعيد؛ لأن الباء لا تزاد في الإثبات.

وقوله: (( حتى بلغ مني الجهد ) ): يُروى بضم الجيم وفتحها وبالنصب وبالرفع، وفعل به ثلاثًا، قال الخطابي:

(( وإنما فعل ذلك به ليبلوا صبره، ويحسن تأديبه، فيرتاض لاحتمال ما كلفه به من أعباء النبوة، ولذلك كان يعتريه مثل حال المحموم، وتأخذه(الرحضاء) ؛ أي: البهر والعرق )).

وقال غيره: إنما فعل ذلك لأمور: منها أن يستيقظ لعظمة ما يلقى إليه بعد هذا الصنيع المشق على النفوس؛ كما قال تعالى: {إنا سنلقي عليك قولًا ثقيلًا} [المزمل: 5] ، ولهذا كان عليه الصلاة والسلام إذا جاءه الوحي يحمر وجهه، ويغط كما يغط البكر من الإبل، ويتفصد جبينه عرقًا في اليوم الشديد البرد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت