وقوله: (( فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خديجة يردف فؤاده ) )، وفي رواية: (( بوادره ) ): جمع بادرة؛ قال أبو عبيدة: وهي لحمة بن المنكب والعنق. وقال غيره: هي عروق تضطرب عند الفزع.
وقوله: (( لقد خشيت على نفسي ) )، وذلك لأنه شاهد أمرًا لم يعهده قبل ذلك، ولا كان في خلده، ولهذا قالت خديجة: كلا؛ أبشر والله؛ لا يخزيك الله أبدًا. قيل: من الخزي، وقيل: من الحزن، وهذا لعلمها بما أجرى الله به جميل العوائد في خلقه؛ أن من كان متصفًا بصفات الخير لا يخزى في الدنيا ولا في الآخرة.
ثم ذكرت له من صفاته الجليلة ما كان من سجاياه الحسنة. فقالت: (( إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث ) ). وقد كان مشهورًا بذلك صلوات الله وسلامه عليه عند الموافق والمفارق.
(( وتحمل الكل ) )؛ أي: عن غيرك، تعطي صاحب العيلة ما يريحه من ثقل مؤونة عياله.
(( وتكسب المعدوم ) )؛ أي: تسبق إلى فعل الخير، فتبادر إلى إعطاء الفقير، فتكسب حسنته قبل غيرك، ويسمى الفقير معدومًا؛ لأن حياته ناقصة، فوجوده وعدمه سواء؛ كما قال بعضهم:
ليس من مات فاستراح بميت إن الميت ميت الأحياء
واختار شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي أن المراد بـ (المعدوم) ههنا: المال المعطى؛ أي: يعطي المال لمن هو عادمه.
ومن قال: إن المراد أنك تكسب باتجارك المال المعدوم، أو النفيس القليل النظير؛ فقد أبعد النجعة، وأغرق في النزع، وتكلف ما ليس له علم، فإن مثل هذا لا يمدح به غالبًا، وقد ضعف هذا القول عياض والنووي وغيرهما. والله أعلم.
(( وتقري الضيف ) )؛ أي: تكرمه في تقديم قراه، وإحسان مأواه.
(( وتعين على نوائب الحق ) )، ويروى (( الخير ) )؛ أي: إذا وقعت نائبة لأحد في خير أعنت فيها، وقمت مع صاحبها حتى يجد سدادًا من عيش، أو قوامًا من عيش.
وقول ورقة: (( يا ليتني فيها جذَعًا ) )؛ أي: يا ليتني أكون اليوم شابًا متمكنًا من الإيمان والعلم النافع والعمل الصالح.
(( يا ليتني أكون حيًا حين يخرجك قومك ) )؛ يعني: حتى أخرج معك وأنصرك.
(( نصرًا مؤزرًا) ؛ أي: أنصرك نصرًا عزيزًا أبدًا.
وقوله: (( ثم لم ينشب ورقة أن توفي ) )؛ أي: توفي بعد هذه القصة بقليل، رحمه الله ورضي عنه، فإن مثل هذا الذي صدر عنه تصديق بما وُجد، وإيمان بما حصل من الوحي، ونية صالحة للمستقبل.
وقد روى الإمام أحمد عن ابن لهيعة: حدثني أبو الاسود عن عروة عن عائشة: أن خديجة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ورقة بن نوفل؟ فقال:
(( قد رأيته؛ فرأيت عليه ثياب بياض، فأحسبه لو كان من أهل النار لم يكن عليه ثياب بياض ) ).