فهرس الكتاب
وثبت في (( صحيح مسلم ) )من حديث أبي أمامة عن عمرو بن عبسة السلمي رضي الله عنه قال:
أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول ما بعث وهو بـ (مكة) ، وهو حينئذ مستخف، فقلت: ما أنت؟ قال: (( أنا نبي ) ). فقلت: وما النبي؟ قال: (( رسول الله ) ). قلت: الله أرسلك؟ قال: (( نعم ) ). قلت: بم أرسلك؟ قال:
(( أن تعبد الله وحده لا شريك له، وتكسر الأصنام، وتوصل الأرحام ) ).
قال: قلت: نِعْمَ ما أرسلت به، فمن تبعك على هذا؟
قال: (( حر وعبد ) ). يعني: أبا بكر وبلالًا.
قال: فكان عمرو يقول: لقد رأيتني وأنا ربع الإسلام.
قال: فأسلمت. قلت: فاتبعك يا رسول الله؟ قال: (( لا؛ ولكن الحقْ بقومك؛ فإذا أخبرت أني قد خرجت فاتبعني ) ).
ويقال: إن معنى قوله عليه السلام: (( حر وعبد ) )اسم جنس، وتفسير ذلك بأبي بكر وبلال فقط فيه نظر؛ فإنه قد كان جماعة أسلموا قبل عمرو بن عبسة، وقد كان زيد بن حارثة أسلم قبل بلال أيضا، فلعله أخبر أنه ربع الإسلام بحسب علمه، فإن المؤمنين كانوا إذ ذاك يستسرون بإسلامهم، لا يطلع على أمرهم كثير أحد من قراباتهم، دع الأجانب، دع أهل البادية من الأعراب. والله أعلم.
وفي (( صحيح البخاري ) )عن سعد بن أبي وقاص:
(( ما أسلم أحد [إلا] في اليوم الذي أسلمت فيه، ولقد مكثت سبعة أيام، وإني لثلث الإسلام ) ).
أما قوله: (( ما أسلم أحدٌ في اليوم الذي أسلمت فيه ) )فسهل، ويروى: (( إلا في اليوم الذي أسلمت فيه ) )، وهو مشكل؛ إذ يقتضي أنه لم يسبقه أحد بالإسلام، وقد علم أن الصديق وعليًا وخديجة وزيد بن حارثة أسلموا قبله؛ كما قد حكى الإجماع على تقدم إسلام هؤلاء غير واحد؛ منهم ابن الأثير.
ونص أبو حنيفة رضي الله عنه على أن كلًا من هؤلاء أسلم قبل أبناء جنسه. والله أعلم.
وأما قوله: (( ولقد مكثت سبعة أيام وإني لثلث الإسلام ) )فمشكل، وما أدري على ماذا يوضع عليه؟! إلا أن يكون أخبر بحسب ما علمه. والله أعلم.
وروى الطيالسي وأحمد والحسن بن عرفة عن ابن مسعود قال:
كنت غلامًا يافعًا أرعى غنمًا لعقبة بن أبي معيط بـ (مكة) ، فأتى عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، وقد فرا قمن المشركين، فقال - أو: فقالا: عندك يا غلام! لبن تسقينا؟ قلت: إني مؤتمن، ولست بساقيكما. فقال: هل عندك من جذعة لم ينزُ عليها الفحل بعد؟ قلت: نعم. فأتيتهما بها، فاعتقلها أبو بكر، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الضرع ودعا، فحفل الضرع، وأتاه أبو بكر بصخرة متقعرة فحلب فيها، ثم شرب هو وأبو بكر، ثم سقياني، ثم قال للضرع: اقلص. فقلص.