والمقصود أنهما حين خرجا من (مكة) كانت زوجة عمرو معه، وعمارة كان شابًا حسنًا، فاصطحبا في السفينة، وكأن عمارة طمع في امرأة عمرو بن العاص؛
فألقى عمرًا في البحر ليهلكه، فسبح حتى رجع إليها، فقال له عمارة: لو أعلم أنك تحسن السباحة لما ألقيتك. فحقد عمرو عليه.
فلما لم يقض لهما حاجة في المهاجرين من النجاشي، وكان عمارة قد توصل إلى بعض أهل النجاشى، فوشى به عمرو، فأمر به النجاشي فسحر حتى ذهب عقله، وساح في البرية مع الوحوش.
وقد ذكر الأموي قصته مطولة جدًا، وأنه عاش إلى زمن إمارة عمر بن الخطا، وأنه تقصده بعض الصحابة ومسكه، فجعل يقول: أرسلني أرسلني، وإلا مت. فلما لم يرسله مات من ساعته. فالله أعلم.
وروى ابن إسحاق بسنده عن عائشة رضي الله عنه قالت:
لما مات النجاشي كان يتحدث أنه لا يزال يرى على قبره نور.
ورواه أبو داود عن ابن إسحاق.
@وقد ثبت في (( الصحيحين ) )من حديث أبي هريرة رضي الله عنه:
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى، فصف بهم وكبر أربع تكبيرات.
وروى البخاري في (موت النجاشي) بسنده عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(( مات اليوم رجل صالح؛ فقوموا فصلوا على أخيكم(أصحمة ) )).
وروي ذلك من حديث أنس بن مالك، وابن مسعود، وغير واحد.
وفي بعض الروايات تسميته (أصحمة) ، وفي رواية (مصحمة) ، وهو (أصحمة بن بحر) ، وكان عبدًا لبيبًا ذكيًا، وكان عادلًا عالمًا، رضي الله عنه وأرضاه.
وقال يونس عن ابن إسحاق: اسم النجاشي (مصحمة) ، وفي نسخة صححها البيهقي: (أصحم) ، وهو بالعربية: (عطية) .
قال: وإنما النجاشي اسم الملك؛ كقولك: (كسرى) ، (هرقل) .
قلت: كذا، ولعله يريد به (قيصر) ؛ فإنه علم لكل ملك من ملك الشام مع الجزيرة من بلاد الروم. و (كسرى) علم على من ملك الفرس. و (فرعون) علم لمن ملك مصر كافة. و (المقوقس) لمن ملك الإسكندرية. و (تُبع) لمن ملك اليمن والشحر. و (النجاشي) لمن ملك الحبشة. و (بطليموس) لمن ملك اليونان، وقيل: الهند. و (خاقان) لمن ملك الترك.
وقال بعض العلماء: إنما صلى عليه؛ لأنه كان يكتم إيمانه من قومه، فلم يكن عنده يوم مات من يصلي عليه، فلهذا صلى عليه.
قالوا: فالغائب إن كان قد صُلي عليه ببلده لا تشرع الصلاة عليه ببلد أخرى، ولهذا لم يُصَلّ على النبي صلى الله عليه وسلم في غير (المدينة) ؛ لا أهل (مكة) ولا غيرهم.