جهنَّمَ أنتُمْ لَها واردُونَ لوْ كانَ هؤلاءِ آلهةً ما وردُوها و كلٌّ فِيها خالدِون لُهم فِيها زفيرٌ و هم فِيها لا يسمَعُون [الأنبياء: 98 - 100] .
ثم قام رسول الله صلى الله عليه و سلم و أقبل عبد الله بن الزبعري السهمي حتى جلس.
فقال الوليد بن المغيرة له: و الله ما قام و الله ما قام النضر بن الحارث لابن عبد المطلب آنفا و ما قعد، و قد زعم محمد أنّا و ما نعبد من آلهتنا هذه حصب جهنم!.
فقال عبد الله بن الزبعرى: أما - والله - لو و جدته لخصمته، فسلوا محمدًا أكل من نعبد من دون الله حصب جهنم مع عبده؟ فنحن نعبد الملائكة و اليهود تعبد عزيرًا و النصارى تعبد عيسى.
فعجب الوليد و من كان معه في المجلس من قول ابن الزبعرى و رأوا أنه قد احتج و خاصم.
فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه و سلم ... فأنزل الله تعالى {إنَّ الذين سبقَتْ لَهمْ مِنَّا الُحسنى أُولئِك عنْهَا مُبعدُونَ لا يسمعُون حسِيسَها و هُم في ما اشْتَهتَ أنْفُسُهُم خالِدُون} [الأنبياء: 101 - 102] ؛ أي: عيسى ابن مريم، و عزيرًا، و من عبد من الأحبار و الرهبان الذين مضوا على طاعة الله تعالى.
و نزل - فيما يذكرون أنهم يعبدون الملائكة و أنها بنات الله: {و قالُوا اتَّخذَ الرَّحمنُ ولدًا سُبحانَه بَلْ عِبادٌ مُكرَمُون} [الأنبياء:26] .
و نزل في إعجاب المشركين بقول ابن الزبعري: {و لمَّا ضُرِبَ ابنُ مريمَ مثلًا إذا قومُكمَ مِنْهُ يَصدُّونَ و قَالُوا آلِهَتُنَا خَيْرٌ أمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلاَّ جَدَلًا بَلْ هُمْ قومُ خَصِمُونَ} [الزخرف:57 و 58] .
و هذا الجدل الذي سلكوه باطل، و هم يعلمون ذلك؛ لأنهم قوم عرب من لغتهم أن (ما) لما لا يعقل، فقوله: {إنكُمْ وَ مَا تَعْبُدُون مِنْ دونِ اللهِ حصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} إنما أريد بذلك ما كانوا يعبدونه من الأحجار التي كانت صور أصنام، و لا يتناول ذلك الملائكة الذين زعموا أنهم يعبدونهم في هذه الصور، و لا المسيح، و لا عزيرًا، و لا أحدًا من الصالحين؛ لأن اللفظ لا يتناولهم لا لفظًا و لا معنًا.
فهم يعلمون أن ما ضربوه بعيسى ابن مريم من المثل جدل باطل؛ كما قال الله تعالى: {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إلا جَدَلًا بلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} .
ثم قال {إنْ هُوَ} ؛أي: عيسى {إلا عَبْدٌ أنْعَمْنَا عَلَيْهِ} ؛ أي: بنبوتنا، {وَ جَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إسْرَائِيل} ؛ أي: دليلًا على تمام قدرتنا على ما نشاء، حيث خلقناه من أنثى بلا ذكر، و قد خلقنا حواء من ذكر بلا أنثى، و خلقنا آدم لا من هذا، و لا من هذا، و خلقنا سائر بني آدم من ذكر و أنثى، كما قال في الآية الأخرى: {و لنجعله آيةً للنَّاس} [مريم:21] ؛ أي: أمارة و دليلًا على قدرتنا الباهرة، {و رحمةً منَّا} نرحم بها من نشاء.
وذكر ابن اسحاق الوليد بن المغيرة حيث قال: أَيُنْزَل على محمد وأترك وأنا كبير قريش وسيدها؟! ويترك أبو مسعود عمرو بن عمرو الثقفي سيد ثقيف؟! فنحن عظيمًا