ولو كان لا يُقتل إذا قالها لم يكن للتثبت معنى، وكذلك الأحاديث الأخر وأمثالها، معناها ما ذكرناه وأنّ من أظهر التوحيد والإسلام وجب الكف عنه إلا أن يُتبيَّن منه ما يناقض ذلك، والدليل على هذا أن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - هو الذي قال:"أقتلته بعدما قال: لا إله إلا اللَّه؟"هو الذي قال في الخوارج:"أينما لقيتموهم فاقتلوهم، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد" [1] مع كونهم من أكثر الناس عبادة، وتهليلًا وتسبيحًا، حتى إن الصحابة يحقرون أنفسهم عندهم، وتعلّموا العلم من الصحابة فلم تنفعهم لا إله إلا اللَّه ولا كثرة العبادة، ولا ادّعاء الإسلام لمّا ظهر منهم مخالفة الشريعة.
وكذلك ما ذكرناه من قتال اليهود وقتال الصحابة بني حنيفة، وكذلك أراد - صلى الله عليه وسلم - أن يغزو بني المصطلق لمّا أخبره رجل منهم أنهم منعوا الزكاة حتى أنزل اللَّه {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأٍ فتبينوا} [2] ، وكان الرجل كاذبًا عليهم [3] ، وكل هذا يدل على أن مراد النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - في الأحاديث التي احتجوا بها ما ذكرناه.
ولهم شبهة أخرى وهي ما ذكر النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - أن الناس يوم القيامة يستغيثون بآدم، ثم بنوح، ثم بإبراهيم، ثم بموسى، ثم بعيسى، فكلهم يعتذر حتى ينتهوا إلى رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - [4] ، قالوا: فهذا يدل على أن الاستغاثة بغير اللَّه ليست شركًا.
والجواب أن نقول: سبحان من طبع على قلوب أعدائه، فإن الاستغاثة بالملخوق فيما يقدر عليه لا ننكرها، كما قال تعالى في قصة موسى {فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه} [5] .
وكما يستغيث الإنسان بأصحابه في الحرب أو غيره في أشياء يقدر عليها المخلوق، ونحن أنكرنا استغاثة العبادة التي يفعلونها عند قبور الأولياء أو في غيبتهم في الأشياء التي لا يقدر عليها إلا اللَّه.
إذا ثبت ذلك فاستغاثتهم بالأنبياء يوم القيامة يريدون منهم أن يدعوا اللَّه أن يحاسب الناس حتى يستريح أهل الجنة من كرب الموقف، وهذا جائز في الدنيا والآخرة، وذلك أن تأتي عند رجل صالح حي يجالسك ويسمع كلامك، تقول له: ادعُ اللَّه لي كما كان أصحاب رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يسألونه ذلك في حياته، وأمَّا بعد موته، فحاشا وكلا أنهم سألوا ذلك عند قبره، بل أنكر السلف على من قصد دعاء اللَّه عند قبره، بدعائه نفسه؟ بأبي هو وأمي.
ولهم شبهة أخرى وهي قصة إبراهيم لمّا ألقي في النار اعترض له جبريل في الهواء فقال له: ألك حاجة؟ فقال إبراهيم أمَّا إليك فلا [6] ، فقالوا: فلو كانت الاستغاثة شركًا لم يعرضها على إبراهيم.
(1) أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء (3344) ، وفي المغازي (4351) ، وفي التوحيد (7432) ، ورواه مسلم في الزكاة (1064) ، وأبو داود في السنة (4749) و (4750) كلهم من حديث أبي سعيد الخدري رضي اللَّه عنه.
(2) الحجرات: 6.
(3) أخرجه أحمد 2/ 279، والطبراني 3/ 310 - 311، وابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير 7/ 351، من حديث الحارث بن ضرار الخزاعي، وأورد الهيثمي في المجمع 7/ 109 وقال: رجال أحمد ثقات (متن كشف الشبهات بتخريج بدر البدر) .
(4) رواه البخاري في التوحيد (7510) ، ومسلم في الإيمان (193) ، عن أنس بن مالك رضي اللَّه عنه.
(5) القصص: 15.
(6) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره 17/ 45، وذكر هذه القصة البغوي في تفسيره 5/ 327، قال ابن عراق في"تنزيه الشريعة"1/ 250: قال ابن تيمية: موضوع، وقال الألباني في الضعيفة 1/ 28: لا أصل له.
وذكر ابن تيمية أن آخر الحديث وهو قوله:"حسبي من سؤالي"أن هذا كلام باطل من ثلاثة أوجه، راجعها في الفتاوى 8/ 539.